حكم الفاسد في تثنية المنقوص والجموع عند الشاطبي (ت 790ه) دراسة صرفية

المؤلفون

  • أحمد علي عبد نايل جامعة الأنبار/كلية التربية للعلوم الإنسانية
  • وعد محمد سعيد جامعة الأنبار/كلية التربية للعلوم الإنسانية
  • مؤلف جامعة صلاح الدين-أربيل

الكلمات المفتاحية:

الفاسد، تثنية المنقوص، الجموع، الشاطبي، صرفية

الملخص

يركَنُ هذا البحث إلى جمع المسائل التي أُطلق عليها حكم (الفاسد) في كتاب المقاصد الشافية للشاطبيّ، ودراستها على وفق هذا المنظور، الذي يُعد ممارسة واضحة في أعمال النحويين، وقد رصدنا هذا الحكم ومشتقاته سواء أكان للشاطبي أم لغيره، إذ إنَّ له مناظرات واسعة لا يحوم عليها قبل الفهم الدقيق، وها نحن نستنبط هذه الأحكام على وجه ما اقتضى من الإبانة والشرح. اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، وأجهدنا أنفسنا في معرفة قصده؛ كي تكون المسألة بيَّنة على لسان حكمه، فإنَّ الشارح قد وصف الناظم بأنَّه نصَّب نفسه منصب المجتهدين في العربية، وقد تختلف أقوال المجتهدين كثيرًا في المسألة الواحدة بحسب الأوقات والأنظار؛ لذلك فإنَّ أسلوب الشاطبي يتسم بقوة العرض والرد والتأويل والترجيح، ولا سِيَّما أنَّ الكتاب يُعد عصارة جهده العلمي، معتمدًا فيه على مصادر متنوعة في الفقه والأصول والحديث والصوت والصرف والنحو واللغة والعروض حتى غدا من أجلِّ المؤلفات. ومن فضيلة الشارح أنَّ أغلب النصوص التي حكم عليها بهذا المصطلح يُعلّل لها، ويبيّن آراء مَن سبقه فيها، إذ يتحلّى بأسلوب محسوس لم تلتمس مراده إلَّا من خلال التمحيص الدقيق؛ لأنَّه يتبع آثار الناظم باجتلاب آراء المذهبين وهذا مَهْيَعُه في أغلب المسائل، وكذلك من فرط دهائه وصدق نيته واعتقاده يشرع في إعراب الخلاصة بأكثر من وجه، ويركن تعليلاته إلى السماع والقياس، وهذه الصفة تتخلل مذهبه. ارتكزت بداية البحث على توطئة تسدل الستار للقارئ؛ ليتعرف على حكم (الفاسد) ومعناه اللغوي والاصطلاحي عند العلماء بعبارة موجزة مختصرين الطريق الذي نهجه الشاطبيّ في شرحه للألفية، ومن ثَمّ تناولنا مسألتين في تثنية المنقوص وجمع المقصور بالألف والتاء، ومسألتين في جمع الاسم المؤنث الساكن العين، ومسألة في جمع التكسير على (فِعْلَة)، والتزمنا في تلك المسائل متن المراد، وسمتَ المقصود، وانقسم البحث على مبحثين، ثم أردفنا ذلك بخاتمة تتضمن مقصد النتائج التي حرصت هذه الدراسة على نتاجها. المقدمـــــــة الحمد لله رب العالمين حمدًا ليس له حد محدود ولا وقت معدود، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى الآل والصحب الكرام أجمعين، وبعد: فإنَّ كتاب المقاصد الشافية للشاطبيّ هو سفر عظيم يحتاج إلى نفس مديد؛ لأنَّه وقف على جلّ آراء العلماء والمفسرين معترفًا بعطائهم وبذلهم الجهد الثمين في تقديم العلم وإيصاله وتسهيله؛ ليصل إلينا عن طريق النهج السليم الذي رسموه لنا من شرح غامض وإتمام منقوص، وحفظوه لنا بعيدًا عن متناول أيدي المفسدين، وما فعلوا ذلك إلَّا ابتغاء مرضاة الله، إذ شرع الشاطبي في شرح الألفية وأطلق الحكم على بعض المسائل بـ(الفاسد) رغبة منه بهذا المصطلح من باب التوسع، وهذا نعت محمول على تسهيل اللفظ وتقريب المراد في بعض المسائل، والولوج في شرحها وتحليلها وتفسيرها في موضع آخر، ويبدو لي أنَّ غاية الحكمة في ذلك أراد بيان أنَّ المعرفة لا تقف على زمان معيّن، وأنَّ علم الله - تبارك وتعالى – لا يُحيط به بشر، وليس مختصًا بوقت ومكان دون آخر، وهذا الذي سنح به الشاطبيّ لا أراه ذمًّا ولا محوًا لأثر ابن مالك بل مدحًا له، ونشر المحامد عنه، ولو كان عكس ذلك لما تطرق إلى شرحها هو ومَن قبله وأكثروا من التأويلات التي لها معان عديدة، وهذا ما يُعرف بظاهرة الحِجاج()؛ لذلك أورد الشارح الحجة والبرهان له، رغبة في الدفاع عن رأيه، يقول الدكتور محمد الوالي: "إذا كان من المخجل ألَّا يتمكن الإنسان من الدفاع عن نفسه بالقوة العضلية، فإنَّه من العبث ألَّا يتمكن من الدفاع عن نفسه بالكلمة، إذ بها لا بالقوة يتميز الإنسان"()، وعليه فإنَّ بعض الأحكام فاسد في اللفظ، وبعضها فاسد في المعنى، ولا شكَّ أنَّ اللفظ والمعنى أحدهما يتكئ على الآخر، واستنباط المسألة لا يكون موصوفًا بالتمام إلَّا بالغوص في بعض التأويلات والترجيحات التي يستند إليها في أغلب أحكامه، والباحث الحصيف لا يُغادر أقوال المتقدمين ولا يركن إلى بعضها دون بعض بل يسند رأيه إليها وإلى حقيقة الصناعة النحوية التي قعدوها لنا ويرفع اللبس الذي يعتري بعض الأحكام؛ كي يخرج بما قصده الناظم في نظمه، ولا شكَّ أنَّ ابن مالك قد أوجز القول في الخلاصة وتوسع في الكافية وفي كتبه الأخرى، فمن يرى أنَّه مال عن قياس العرب في الخلاصة فعليه أن يراجع مؤلفاته الأخرى ليقرّ عينه بها، وبها يطمئن قلبه، ويقوم هذا البحث على بعض الأهداف التي من خلالها تُنتج الدراسة، وأهمها: أولًا: كثرت الاعتراضات على كتب المتقدمين فيما بينهم، وقد تناول هذا المصطلح كثيرٌ من الباحثين، ونالت كتبهم نصيبًا لا بأس به من الدراسة؛ لذلك قيدت دراستي بمصطلح (الفاسد) لتكون مرتكزة على أصل هذا الحكم في كتاب المقاصد الشافية. ثانيًا: كثر الجدل والقيل والقال بين العلماء مع الاختلاف بين المذهبين، وكل منهما له حجته التي يعضّد بها رأيه، لكن ابن مالك قطع المسافة وأتى بالسلامة التي نظمها في ألفيته؛ لتكون مشتملة على السماع والقياس، وبهذا أبعدك عن بعض التأويلات التي لا فائدة من الخوض فيها. ثالثًا: اشتملت هذه الدراسة على حكم (الفاسد) سواء أكانت للشاطبي أم لغيره، وقد أجريت بعض التحليل لها وأوجزت العبارة فيها؛ كي تكون المسألة مفهومة واضحة لدى القارئ دون الولوج في بعض التأويلات التي لا فائدة منها. رابعًا: ارتكزت بداية البحث على توطئة تسدل الستار للقارئ؛ ليتعرف على حكم (الفاسد) ومعناه اللغوي والاصطلاحي عند العلماء، ثم بيَّنت رأي الشارح في هذا الحكم بعبارة موجزة مختصرًا الطريق الذي نهجه الشاطبيّ في مقاصده، واقتضت طبيعة البحث أن أقسمه على مبحثين. كان المبحث الأول في تثنية المنقوص وجمع المقصور بالألف والتاء المطلب الأول: رَدُّ المحذوف في تثنية المنقوص بقياس المطلب الثاني: حكم المقصور في الجمع بالألف والتاء وجاء المبحث الثاني في جمع الاسم المؤنث الساكن العين وجمع التكسير على (فِعْلَة) المطلب الأول: حكم التثقيل والتخفيف في جمع الاسم المؤنث الساكن العين المطلب الثاني: حكم الجمع على (فِعْلَة) ثم أردفت ذلك بخاتمة تتضمن مقصد النتائج التي حرصت هذه الدراسة على نتاجها. والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الآل والصحب الكرام أجمعين. توطئة: مفهوم الفاسد في المقاصد الشافية لغة: "(فَسَدَ)، الفسادُ: نَقِيضُ الصَّلَاحِ، فَسَدَ يَفْسُدُ ويَفْسِدُ، وفَسُدَ فَسادًا وفُسُودًا، فَهُوَ فاسدٌ وفَسِيدٌ فِيهِمَا، وَلَا يُقَالُ: انْفَسَد وأَفْسَدْتُه أَنا"(). اصطلاحًا: "الفساد هو التغيير عن المقدار الذي تدعو إليه الحكمة، والشاهد أنَّه نقيض الصلاح"()، وعرفّه الجرجاني (ت 816ه) قائلًا: "زوال الصورة عن المادة بعد أن كانت حاصلة"()، ومن ذلك يتبيَّن أنَّ الفساد هو عكس الصلاح، وزوال الصورة المركبة عن تلك المادة المستقرة. وقد تكلَّم المتقدمون على حكم فساد اللفظ والمعنى، منهم السيرافيّ (ت 368ه)، إذ قال: "إذا نقلت الفعل إلى اسم الفاعل ورفعت الفاعل به ولم يكن قبله ما يعتمد عليه، قبُح؛ وذلك أنَّه يلزمك أن تقول مكان: (قَامَ زَيْدٌ) و(قَامَ الزَّيْدَانِ)، (قَائِمٌ زَيْدٌ)، و(قَائِمٌ الزَّيْدَانِ)، و(قَائِمٌ الزَّيْدُونَ)، والذي قبّحه فساد اللفظ لا فساد المعنى، وذلك أنَّك إذا قلت: (قَائِمٌ الزَّيْدَانِ)، و(قَائِمٌ الزَّيْدُونَ)، رفعت (قَائِم) بالابتداء، و(الزَّيْدَانِ) فاعل من تمام (قَائِم)، فيكون مبتدأ بغير خبر"()، وكذلك قد تلجأ العرب إلى مراعاة المعنى وإن كان فاسدًا؛ لأجل القرب: "والعرب تراعي القرب مع فساد المعنى في نحو قولهم: (هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ)"(). فالفاسد ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدهما: فاسد في اللفظ. ثانيهما: فاسد في المعنى. ثالثهما: فاسد في اللفظ والمعنى. وتحدث الشاطبي (ت 790ه) عن أصل هذا الحكم وبيَّن العلة التي وقعت من أجله من خلال تحليله وتوجيهه معقبًا على بعض أبيات الناظم قائلًا: فقوله: "وميتٌ به قَمِنْ"، أي: هذا اللفظ أيضًا حقيق بهذا الجمع لما فيه من معنى الآفة الداخلة على غير إرادة إلَّا أنَّ فيه نظرًا على التفصيل، وذلك أنَّه لا يخلو أن يُريد بقوله: إنَّ (فَعْلَى) لكل وصف يَشبه كذا أن يشبهه في البناء وحده دون اعتبار معنى الآفة الداخلة كرهًا، أو في ذلك المعنى وحده، أو كلاهما. وعلى كل تقدير يُشكل كلامه، أمَّا إنْ قلت: إنَّه يريد ما أشبه (قتيلًا) وكذا في البناء المخصوص ففاسد، إذ كان يعطي أنَّ ما كان مثل (قَتِيل) في كونه على (فَعِيل) بمعنى (مَفْعُول) مطلقًا يُجمع على (فَعْلَى)، فكان يُقال في (لحية دَهِين): (دَهْنَى)، و(خَضِيب): (خَضْبَى)، وكذلك كنت تقول في (قَلِقَ): (قَلْقَى)، وأيضًا كنت تقول بالقياس في نحو: (كيِّسٍ) و(كَيْسَى)، وكل هذا فاسدٌ، وكذلك سائر المُثُل، وأمَّا إنْ قلتَ: إنَّه يريد ما أشبه (قتيلًا) وإخوته في معنى الآفة الداخلة كرهًا دون اعتبار الأمثلة اللفظية ففاسدٌ أيضًا، إذ كان يجب على هذا أن يقال في (سَقِيم): (سَقْمَى)، وما أشبه هذا المعنى، وهذا كله لا يقال سماعًا فضلًا عن أن يكون قياسًا، وأمَّا إنْ قلتَ: إنَّه يريد ما أشبه الأمثلة في اللفظ والمعنى معًا. فهو أيضًا غير صحيح من وجهين: أحدهما: أنَّه يُوهم أنَّ (قتيلًا) يعتبر فيه مجموع معناه - من كونه آفة داخلة عليه وكونه مثلًا قويًا على الخصوص، فلا يدخل لنا تحته ما كان مثل (جَرِيح) و(جَرْحَى)، ونحو ذلك، وكذلك يُقال في (هَالِك): إنَّه لا يدخل فيه إلَّا ما كان من الإماتة فقط، فلا يدخل تحته: (رَائِب) و(رَوْبَى)، ولا نحو ذلك. وكذلك سائر الأمثلة، وكل هذا فاسد، والثاني: أنَّ هذا الجمع على ما سلك في التسهيل لا يختص قياسًا بهذه الأمثلة فقط، بل ذكر معها (أَفْعَل) نحو: (أَحْمَق) و(حَمْقَى)(). ينبغي إذن من خلال النصوص التي وردت أن نعرف أنَّ مصطلح الفساد يطلق على اللفظ والمعنى، وفساد اللفظ هو الخروج عن قياس وسماع العرب الذي استعملته أول وهلة، أمَّا بالنسبة للمعنى فقد يكون النص سليمًا من جهة القاعدة النحوية لكنَّه فاسد من جهة المعنى الذي من صوب إرادة المتكلم، والمعهود أنَّ العرب كثير ما تحمل اللفظ على اللفظ والمعنى، وكذلك يحملون اللفظ على المعنى دون اللفظ إذا كان لا يخالف مسموعًا ولا قياسًا قعّدوا عليه قاعدة ثابتة، وإذا كان الأمر كذلك ينبغي معرفة كلام الشارح ومقصده على أتمّ وجه؛ للوصول إلى وجهة الصواب التي من أجلها شرع في بيان حكمه، وكذلك إطلاق الحكم من أيّ صوب كان، والإشارة إلى أقوال المتقدمين في مفهوم هذا الحكم، ومعنى مرادهم دون الاستبداد بحكم الشارح على الخلاصة، فربما قيّد وأحبك قوله فيها، وأطلق وزاد في غيرها في مؤلفاته الأخرى، والله أعلم بالصواب.

المراجع

التنزيلات

منشور

2025-07-31