الرؤية النقدية للنصارى من منظور إبن عاشور من خلال تفسيره التحرير والتنوير

المؤلفون

  • حمود كريمي جامعة صلاح الدين-أربيل
  • رحمن حسن خضير مرشح للدكتوراه ، قسم علوم القرآن والحديث ، كلية الأديان والمذاهب ، قم إيران

الكلمات المفتاحية:

النصارى، إبن عاشور، التحرير والتنوير، المناهج

الملخص

بالعربي يتناول هذا البحث الرؤية المنهجية لنقد اتباع النصرانية في نظر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور من خلال تفسيره التحرير والتنوير، وقد وجدت ان الشيخ ابن عاشور قد استعمل عدة مناهج في نقده المسيحية كالمنهج العقلي والمنهج المقارن والمنهج النقدي وقد استعرضت عقائد النصرانية ابتداء من الوهية عيسى (عليه السلام) والتثليث وغيرها من الاعتقادات وذكرت رد ابن عاشور في تفسير الآيات التي تعرضت لنقدهم بالنقد والتحليل بمقارنة تلك النصوص في العهد الجديد وما يقابلها في نصوص الوحي القرآني وقد استعرضنا في البحث سيرة ابن عاشور الذاتية وسيرته العلمية والاصلاحية ومنهجه العلمي و الاصلاحي ومنهجه العلمي ومنهجه في نقد الاديان ثم ختمتها بأهم نتائج هذه الدراسة المختصرة. إنّ إستقرائي لمادة البحث، وتتبعي لنصوص القرآن الخاصة بالنصرانية في تفسير التحرير والتنوير تبين لي أنّ هذا السفر كتابٌ موسوعيٌ مهمٌ في مجال التفسير لتنوع موضوعاته ودقتها، وحقاً يُعد دائرة معارف كبرى لما حواه من علوم ومعارف يستفيد منها من رام العلم والتعلم للمبتدأ، ومن طوى مراحل الدراسة. كما أن شخصية مؤلفه محمد الطاهر بن عاشور شخصية فريدة في زمانه وبلاده؛ لما يتصف به من الجد والمثابرة والابداع والتفاني في خدمة الشريعة، ولإصلاح العملية التعليمية، والعمل السياسي والجهادي؛ لتحرير بلاده من براثن الاستعمار الغاصب. كما نجد نفس المؤلف في تفسيره من أوله الى ختامه على همة ونسق واحد من غير فتور حتى في الآيات التي تكررت وقد سبق تفسيره لها. مقدمة شهد عصر إبن عاشور، إهتماماً كبيراً في ميدان العناية بالتفسير، وضرورة العودة بوع وإخلاص إلى كتاب الله()؛ لإنقاذ المسلمين من حالة التخلف والهوان، وإنتشالهم من الضياع بتسلط الأجنبي المحتل، وتفانى العلماء لذلك، ببذل الوسع لإحياء التوجه الديني من خلال محاولة علاج أسباب الانحراف الاجتماعي والاخلاقي، وتنزيه الحقائق الاعتقادية، والمفاهيم الدينية من التحريف والتشويه والجمود على القشور، ومسايرة التطور العلمي المهول، ومواكبة العصر بما لا يخل بالثوابت الدينية وقواعد الفقه. كما سعى الأجنبي والمحتل بأشغال المسلمين بمشاكلهم العقائدية والمذهبية، والمسلمون في غفلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان عليه المسلمون، قياساً للواقع الذي وصلت اليه البلدان الأخرى، وقد ظهر في البلاد الاسلامية، تيارات فكرية فاسدة، وعقائد هدامة منحرفة، كالبابية والبهائية والقاديانية والوهابية وغيرها، والتي إبتعدت كثيراً عن فهم النص القراني، وحرفت مراد الله ()، لذا شعر العلماء الحاجة الماسة؛ لإظهار حقائق الاسلام، وتوضيح مفاهيمه في كثير من المستويات من خلال النظر بجدية؛ لقراءة النص الديني بروح عصرية جديدة بحيث لا تتعارض مع قواعد التفسير وإصوله. كما أنّ لتوسع الفكر الإسلامي، والتطورات الجديدة في تخصصات العلوم المختلفة؛ ظهر تبعاً لها إتجاهات جديد في علم التفسير كالاتجاه الاجتماعي. وكان من ضمن منهج ابن عاشور الإصلاحي؛ لأصلاح التعليم في الزيتونة؛ إدراكه حاجة طلبة الزيتونة إلى كتابة تفسير، يمتاز عن التفاسير المتعارفة بفهم جديد وإسلوب معاصر. حيث كان يرى أنّ تأخر علم التفسير له تأثير مباشر في تأخر العلوم الإسلامية المتنوعة. ويرى ضرورة إعادة علم التفسير، بنظرة عصرية، ورؤية جديدة في أطر المناهج والاتجاهات العامة في حركة التفسير في عصره، والخروج عن الاختصار على تطبيق القواعد الالية، والانحصار على الظاهر من المعاني الاصلية للمفردات والتراكيب، كما إهتم بتطبيق المسائل العلمية في العلوم التجريبية، وغيرها التي لها دخالة بمقصد الآية. 1- : السيرة الشخصية والعلمية 1-1: نسب إبن عاشور ومولده هو محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن محمد الشاذلي بن عبد القادر بن محمد بن عاشور الأندلسي الاصل، التونسي المولد والنشأة (الزركلي 2002م، جزء صفحة267) وقد أشتهر باسم الطاهر بن عاشور، ولد المترجم سنة (1296ه‍ - 1879م) بتونس في ضاحية المرسي وهي ضاحية جميلة لها تاريخ قديم بقصر جده لأمه الوزير محمد العزيز بن عتور (هيا العلي 1994م، صفحة 19) إستقرت الاسرة آل عاشور في تونس هرباً من حملات التنصير التي تعرض لها المسلمون في الاندلس. 1-2: نشأته ألاجتماعية والعلمية نشأ في بيت عربي، مستمداً من بيئته ألإسرية مكارم الاخلاق، وقد أقبل على حفظ القرآن، وتعلم اللغة الفرنسية (الزركلي2002م، جزء6 صفحة 267)، وتعلم اللغة العربية وبعض الفنون في بيت والده، الذي كان اديباً، وظهر عليه علامات النبوغ وسرعة الحفظ، وهمة عالية تزداد يوماً بعد يوم (إبن خوجة 1974م، صفحة11) وطموح لبلوغ المراتب السامية والمقامات المهمة (ابن خوجة 1994م، صفحة11). ثمّ تهيء للدخول إلى جامع الزيتونة في عام 1310ه‍ (سعيد1986م، صفحة5) وبإنتسابه الى هذا الصرح العلمي، توافرت لديه أسباب العلم والمعرفة. فقد عاش الشيخ بن عاشور سبعاً وتسعين عاماً، قضى نصفها في ميدان التعليم، فبعد نبوغه في العلوم الإسلامية المتنوعة، حصل في عام 1899م على شهادة التطويع (الفاضل ابن عاشور1972م، صفحة350) والتي سمحت له بمزاولة التعليم بصفة مدرس من الطبقة الثانية في الجامع الزيتوني، وفي عام 1903م، سمّي مدرساً من الطبقة الأولى في الجامع ذاته، ودرّس في المدرسة الصادقية، إضافة الى تدريسه في الزيتونة. 1-3: أساتذته وتلامذته كان للشيخ إبن عاشور أساتذة من أبرز علماء جامعة الزيتونة، أمثال محمد النجار وعمر بن الشيخ، وسالم بو حاجب، ومحمد النخلي، وصالح الشريف وغيرهم، ولهمته العالية وتقدمه على زملائه ونبوغه النادر، أدخلاه في قلوب مشيخة الزيتونة، فدرس ونبغ، فأظهر وتفوق عالي في التحصيل العلمي، وأما التلمذة عنده، فكان أبرز تلاميذه ولده محمد الفاضل بن عاشور الذي ترك اعمال اجتماعية وعلمية في بلدان كثيرة، ومؤلفات قيمة تدل على نشاطه الواسع (مخلوف د:ت، صفحة167)، ومنهم الشيخ عبد الحميد بن باديس الجزائري ( ت 1940م) الذي ارتحل الى جامع الزيتونة سنة 1908م، 1-4: وفاته بعد عمر مديد قرابة قرن، لبى نداء ربه فأنتقل الى مثواه الأخير في (13 رجب 1393ه‍ 1- 12-8- 1973م) في تونس ودفن فيها (شوقي د:ت، جزء8 صفحة278). 1-5: تراثه العلمي مقامه العلمي: ترك المترجم تراثاً ضخماً من المؤلفات، في شتى الموضوعات الإسلامية، والعوم الدينية ورسائل وبحوث، وكتب أدبية متنوعة (محمد الخامس1983م، صفحة38) . فمن مؤلفاته في العلوم الإسلامية. ( مقاصد الشريعة الإسلامية - أصول النظام الاجتماعي في الإسلام - نقد علمي للكتاب الإسلامي واصول الحكم لعلي عبد الرزاق - الوقف وآثاره في الإسلام - أليس الصبح بقريب، وغيرها من المؤلفات الكثيرة في فنون شتى تنبأ عن حجم التراث العلمي الذي رفد به المكتبة الاسلامية، كما يدل ذلك على عمق إستفادته من شيوخه، ومدى سعت إطلاعه على المصادر والعلوم.وله دور بارز ومساهمة فاعلة في مجال اللغة العربية وآدابها، وقد عمل على تفعيل دور اللغة العربية ونشرها،واما في مجال آداب اللغة العربية ونقدها، له عدة مؤلفات منها (إبن عاشور1974م، صفحة82): ( تحقيق ديوان النابغة الذبياني - تحقيق ديوان النابغة الذبياني - تحقيق كتاب سرقات شعر المتنبي ومشكل معانيه - تحقيق مقدمة المرزوقي في شرح ديوان ابي تمام). 1-6: دمث إخلاقة وعلو شمائله لقد إتصف ابن عاشور بشمائل رفيعة، واخلاق حسنة، وقد ورد في مدح نسبه وإخلاقه وعمله على لسان معاصريه وتلامذته، والمهتمين بتفسيره شيءٌ كثير. وقد قال عنه الشيخ محمد الخضر حسين (مجلة المجمع العلمي1925م، صفحة45)، (ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه، وسمات آدابه بأقل من اعجابي بعبقريته في العلم). وينقل في شجاعته، أنّ له موقف مشهور، هو رفضه طلب إصدار فتوى تبيح الفطر في شهر رمضان، وكان ذلك في عام 1961م، عندما دعى الرئيس التونسي الأسبق (الحبيب برقيبة)، العمال الى جواز الإفطار في شهر رمضان؛ بحجة زيادة الانتاج، وطلب من الشيخ ابن عاشور اصدار فتوىيعلنها في الاذاعة، وقد صرح الشيخ في الإذاعة بحكم الله لا بما يريده بورقيبة، بعد أنّ قرأ آية الصيام، وقال بعد الاية ( صدق الله وكذب بورقيبة )، ففشل هذا التجاسر، وخمد هذا التطاول والدعوى الباطلة (شوقي د:ت، جزء8 صفحة278). 2: التعريف بتفسير التحرير والتنوير 2-1: سمات تفسير التحرير والتنوير يُعد تفسير الطاهر بن عاشور (التحرير والتنوير) من أفضل كتبه وأجلها وأوسعها وأكثرها فائدة وأحبها إلى قلبه؛ لتعلقه بتفسير كلام الله () الذي أمضى في تأليفه أربعين عاماً، ضمنه فنون شتى مما إكتسبه في سني تحصيله العلمي فصار من الكتب التفسيرية المعتمدة، فقد أوضح عن أمنيته تفسير كلام الله() إذ قال: ((فقد كان أكبر أمنيتي منذ أمد بعيد، تفسير الكتاب المجيد الجامع لمصالح الدين والدنيا)) (الطالبي1968م، جزء4 صفحة75). وكتابه التحرير والتنوير قد أسماه بدايةً (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، ثّم إختصره باسم (التحرير والتنوير). وكانت مدة تأليفه أربعة عقود. ولقد إتبع في تفسيره من أوله إلى آخره طريقة في تناول السور وإلتزم بها، إذ قدم لكل سورة مقدمة تناول فيها إسم السورة، وتبنى كون أسماء السور على عهد رسول الله (). كما إهتم ببيان كون السورة مكية أو مدنية، وذكر في المقدمة، أنّه إعتمد على كتاب الاتقان في علوم القرآن للسيوطي في تعيين المكي والمدني للسور. وإمتاز تفسير إبن عاشور ببيان أغراض السورة، وأهم موضوعاتها بشكل مجمل، بعد بيانه لإسم السورة وترتيبها بين السور وعدد آياتها. كما إتسم ببيان وجه المناسبة بين الايات. كما أكثر من الاستشهاد بالشعر العربي الفصيح، مستدلاًبه على ضبط معاني المفردات، وتحقيق التراكيب. وله فقهاً على المذهب المالكي، فقد إتجه في تفسيره إتجاهاً فقهياً، إذ إهتم في بيان الاحكام الشرعية، والمسائل الفقهية في مواضعها من تفسيره. وقد ضمنّ في مقدمة تفسيره (مقدمات عشر)، بحث فيها موضوعات هي من علوم القرآن، كعلم التفسير وأسباب النزول والقراءات القرانية والاعجاز القراني، وأغراض وفضائل السور وغيرها، كما أشار إلى المصادر التي أخذ عنها مادته. 2-2: منهج إبن عاشور في تفسيره. لقد أظهر المفسر ابن عاشور عنايةً بالغةً في تفسيره، بإستعمال عدة مناهج وإتجاهات، وإن غلب عليه بعضاً منها، وهذه المناهج هي: 2-2-1: المنهج اللغوي فقد إمتاز تفسيره بإستعمال المنهج اللغوي، وغلب على باقي المناهج التفسيرية، ولما عُرف عنه شاعراً أديباً لغوياً مما أضفى على تفسيره وغيره من مؤلفاته إتجاهه هذا، فقد أبدع ببيان النكت البلاغية وأساليب إستعمالها، وبيان أوجه الاعجاز في القرآن المجيد. 2-2-2: منهج التفسير بالمأثور، فقد إهتم بذكر الاحاديث في تفسيره وأكثر منها، وإمتاز إسلوبه في إيراد الحديث دون الإشارة إلى مصدره تارةً، وبذكره مع مصدره تارةً أخرى، مع ذكر صحة الحديث ودرجته. 2-2-3: منهج التفسير بالرأي: يرى ابن عاشور أنّ التفسير بالرأي وهو ما إعتمد فيه المفسر في بيان مراد النص القرآني على إستنباطه بالرأي المجرد وفهمه الخاص مما لا شاهد عليه، من نص أو قواعد أساسية أو أدوات، التي لا يستغني عنها المفسر، وهذا المنهج باطل وأسرع إلى الزلل، وأقرب إلى الشطط، في كتاب الله العظيم. وقد أعتمد التفسير بالرأي الممدوح. 2-2-4: المنهج العقلي، ويعني أنّ المفسر يستعمل القرائن العقلية ويعدها أداة تفسيرية في فهم النص بألفاظه وتراكيبه وجمله. والمنهج العقلي واضحاً في تفسير أبن عاشور متبعاً أثر كبار العلماء الذين أخذ عنهم، فأن غالبهم ينهجون منهج المدرسة العقلية في التفسير، أمثال الشيخ محمد عبدة، ومن قبلهم رواد هذا المنهج أمثال الزمخشري في الكشاف والرازي في مفاتيح الغيب (التحرير والتنوير، جزء1 صفحة5). 2-2-5: المنهج الاجتماعي، لقد إهتم ابن عاشور في تفسيره بألاسس التربوية وأصولها، وله آراء في التربية الاجتماعية، وضمّنّ تفسيره نظريات تربوية عدة، كيف وقد باشر التعليم والتربية في جامع الزيتونة سنيين متمادية من عمره، ويشهد له في هذا الباب كتابه (أليس الصبح بقريب). 2-2-6: المنهج العلمي، تعرض ابن عاشور في التحرير والتنوير للآيات التي تذكر إلى الظواهر الفلكية والطبيعية، كالسماء والأرض والسحاب والمطر، وعن خصائص النبات ومراحل تكون الانسان في الاجنة وما بعدها، وطبيعة الأرض وما يستخرج منها. كما إعتنى بشرح وبيان عالم الحيوان في القرآن، فنراه يذكر تعريفها وخصائصها وفصائلها وطبائعها، ومواطنها وانواعها وسلوكها، كما تناول علم الاجتماع وعلم النفس ونظرياتهما. 3: منهج ابن عاشور في نقد الأديان لم يكن الشيخ إبن عاشور في نقاشة لآراء ومعتقدات الأدّيان بالسباب والطعّان، وغيرها من الأساليب التي يلجأ اليها كثيرٌ من النقاد والمحاورين، بل أتصف بالهدوء والالتزام بشروط وآداب المحاورة والنقد، كما كان متحرراً من التعصب لدينه وعقائده، وموضوعياً في نقاشه من دون أن يتأثر بالغير في أسلوب محاوراته ومناقشاته الأديان، معتمداً في الأساس على المسلمات العقلية، التي لايختلف عليها العقلاء، مقدماً لها على الاعتقادات. وحقيقة يُعد ابن عاشور موضوعياً دقيقاً في طرحه، رصيناً في آرائه، بارعاً في نقده بما توفر لديه من ادلة، وبما أتصف به من سعة اطلاع على العهدين، ودقة في عرض الآية القرآنية المقارنة الواردة في تلك المسألة وذلك الموضوع . بعيداً عن الانفعال والتأثر العاطفي في حواراته ومناقشاته. ولقد إعتمد الشيخ ابن عاشور في نقد الأديان اساساً المنهج العقلي والمنهج المقارن، فهو وان لم يخصص مؤلفاً في نقده الأديان إلاّ أنّ موسوعته التفسيرية (التحرير والتنوير) قد تعرض فيها عند شرحه ألآيات التي تنقد وتذم الأديان المحرفة، ولم يزد عادة على نقد القرآن لهم، غاية الامر أنه يوضح مفردات الآية، مع شرح توضيحي للمعنى الإجمالي. إلاّ أنّا باستقراء الآيات في التحرير والتنوير إستطعنا من تحديد نقده الأديان، وخاصة اليهود والنصارى. ولقد استعمل مناهج عدة في نقده للاديان. ففي المنهج المقارن، عمد إلى مقارنة نصوص العهدين مع نصوص الوحي القرآني مبيّناً عقائدهم بذكر الشواهد سواء ما ذكر في العهدين أم التي يعتقدون بها في سلوكيات أتباع أديانهم، وبالخصوص القصص والأمور التي يشترك فيها القرآن الكريم مع العهدين، فالتوراة والانجيل المتداولتان مليئتان بالخرافة والاساطير في وصف الله وانبياءه وملائكته وصفاً يصل إلى حدّ الكفر. وأما المنهج العقلي فقد أكد على التناقضات في كل من العهدين، وهذا يُعد من أفضل أساليب المنهج العقلي في نقد الأديان، وأنّ ذكر التناقض في نصوص كتبهم او سلوكيات أتباعهم تعد أهم مصادر نقد الأديان، وأهم وثيقة علمية بالاحتجاع عليهم وبيان زيفهم، وفساد عقائدهم ويمكن تسمية هذا الاسلوب بإسلوب النقد التاريخي، وان النص فيه يشكل الركن الأصل في الأديان؛ لبيان تشريعاتهم واعتقاداتهم. 4: شبهات عقائد النصارى ونقد أبن عاشور لهم 4-1: عقيدة ألوهية عيسى (عليه السلام) لقد إستدل الطاهر بن عاشور بالمنهج العقلي في إبطال شبهة النصارى بتأليه عيسى المسيح ()، في موضع تفسير قول الله ()، إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( آل عمران : 59 – 60 ). كما بيّن منشأ أوهام المسيحيين، عند وصفه بأنه‏ كلمة اللّه، وأنه ليس ناسوتياً محضاً؛ لأنهم زعموا بألهية المسيح من أجل أنّه خلق بكلمة من اللّه وليس له أب، فقالوا: أنه ابن اللّه، فردّ اللّه زعمهم بأنّ آدم () أولى بأن يدّعى له ذلك، فإن لم يكن آدم () إلهاً مع أنّه خلق من دون أبوين، فالمسيح عيسى أولى بالمخلوقية من آدم، وأدم أولى بالالوهية من عيسى وفق مدعاهم. فأنّه خلق من دون أبوين. ومجال التمثيل أنّ كل واحد منهما خلق من غير أب، ويزيد آدم بكونه من دون أم أيضاً، فلذلك احتيج إلى ذكر وجه الشبه بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ‏، أي خلقه دون أب ودون أم بل خلقه بكلمة (كن)؛ فأنّ تكوينه بأمره (كن) أعلى درجة من جعله من تراب، وهو مقدم في الخلق والتكوين. وقوله عند اللّه أي نسبة عيسى إلى اللّه مثل آدم في كونه خلقاً خارق للمعتاد؛ لأنّ النصارى عدّوا خلقه الخارق العجيب موجباً لأنّ يرقى عند اللّه برتبة خاصة وهي بنوتّه لله. وقول (كن) تعبير عن تعلق القدرة بتكوينه حياً ذي روح ليعلم السامعون أنّ التكوين ليس بصنع يد، ولا نحت بآلة، ولكنه بإرادة وتعلق قدرة وتسخير الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد، حتى تلتئم وتندفع إلى إظهار المكوّن وكلّ ذلك عن توجه الإرادة بالتنجيز، (فبتلك الكلمة كان آدم أيضا كلمة من اللّه ولكنه لم يوصف بذلك لأنّه لم يقع احتياج إلى ذلك لفوات زمانه) (التحرير والتنوير جزء1 صفحة5). وفي قوله فَيَكُونُ‏ قال أبن عاشور: (ولم يقل فكان لإستحضار شكل تكوّنه، ولأنّ المضارع يحمل على هذا المعنى في مثل هذا التعبير، على نحو قوله: اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً ( فاطر : 9 ) وحمله على غير هذا هنا لا وجه له) (الرومي1497ه‍ جزء1 صفحة68). وفي قوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏ خبر مبتدأه محذوف يقدر ب(هذا). والخطاب في‏ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏ وأن خُوطب به النبي الاكرم () إلاّ أنّ المقصود التعريض بغيره، والمعرّض بهم هنا هم النصارى الممترون (الرومي جزء1 صفحة6). وقد أهملت ألاناجيل المتداولة التأكيد على عدّ عيسى المسيح () بأنه عبد الله ورسوله كما صرح القرآن: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ الْكِتَٰبَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وقد خلت الاناجيل المتعارفة من هذا الخبر لهذا يُعد من التحريف والتبديل في كتابهم المنزل على عيسى(). يقول الطاهر بن عاشور: إنّ إخفاء هذا الخبر عن الناس، ومنع وصوله إليهم، يدل على أنّ ألاناجيل كتبت في أحوال مضطربة، وأنّ الله علم من بني إسرائيل أنّهم سوف ينزّلون عيسى منزلة الالوهية ويرفعوه مقاماً عليا، لذا ابتدأ في ألآية بوصف العبودية على لسان عيسى المسيح () (التحرير والتنوير جزء16 صفحة33). ولقد زعم النصارى مرة أخرى بعقيدة إتخاذ الله () عيسى ابن مريم إبناً له مغالاةٌ به – سبحانه وتعالى عما يقول الكافرون علواً كبيراً؛ لأنّه ولد على غير العادة فأدعوا أنّه إبن الله وهو كذب صريح وافتراء عظيم، وشبهة كبيرة فاسدة. 4-2:عقيدة النصارى في التثليث والرد عليها لاشك أنّ أتباع ألأديان إن حرفوا في دينهم لا يزيدهم إلاّ إنحرافاً عنه، وإبتعدوا كثيراً عن تعاليمه كلما تقدم بهم الزمن، وما من عقيدة بأصولها وفروعها اجتهدوا فيها وحكّم فيها أهلها عقولهم إلاّ ضلوا واختلفوا، وقد برز من إمثال هؤلاء النصارى، فقد وقع بينهم إختلافٌ كثيرٌ، وإفترقوا إلى مذاهب وفرق وطوائف وإقتتلوا بينهم، وسالت دماء كثيرة، وكل منهم يدعي هو الدين الحق، ويكذب أو يكفر ألاخرين. ومن بين تلك المسائل التي شملها ألاختلاف بين النصارى، عقيدة التثليث مع أنّها بدعة من إبتكارات الرهبان. وتفصيل الشبهة كالاتي: 4-3: بيان الشبهة بقلم إبن عاشور يقول ابن عاشور: وأصلٌ التثليث في عقيدة المسيحيين كلهم، إلاّ أنّهم مختلفون في كيفيته، ونشأ من شبهة قدماء نصارى اليونان بأن الله (ثالوث) أي أنّه جوهر واحد، وهذا الجوهر مركب من جمع ثلاثة أقانيم* وعبرّوا عنها بعبارة { آبا – إبنا – روحا قدسا} (التحرير والتنوير، جزء4 صفحة333). وقد فصل ابن عاشور هذه الاقانيم الثلاثة بحسب إعتقاد نصارى اليونان بقوله: فالأول: أقنوم الذات القديم (الاب) وهو أصل وجود الموجودات. وأما الثاني : وهو أقنوم العلم، (الابن) وهو المسؤول عن تدبير القوى العقلية، ويأتي دون الأول رتبةً. والثالث: أقنوم الروح القدس، وهو صفة الحياة ومنه وجُد عالم المحسوسات، وهو دون أقنوم العلم رتبة (التحرير والتنوير جزء4 صفحة334). وقد أهمل النصارى بعقيدتهم هذه صفات تقتضيها الإلهية، مثل قدم ألاله وبقائه، كما تركوا صفة الكلام والقدرة والإرادة، ثم أرادوا أن يتأولوا مايقع في الانجيل من صفات الله فسموا أقنوم الذات بالاب، وأقنوم العلم بالابن، وأقنوم الحياة بروح القدس، لأنّ الانجيل اطلق اسم ألاب على الله، واطلق اسم الابن على المسيح رسوله، واطلق روح القدس على ما به كون المسيح في بطن إمه، على أنّهم أرادوا أن ينبهوا على أنّ أقنوم الوجود هو مفيض الاقنومين الاخرين، فراموا ان يدلّوا على عدم تأخر بعض الصفات عن بعض، فعبّروا بألاب وإلابن، كما سموا أقنوم العلم بالكلمة؛ لأنّ من عبارات ألانجيل إطلاق الكلمة على المسيح، فأرادوا أنّ المسيح مظهر علم الله، أي أنّه يعلم ماعلمه الله ويبلغه، وهو معنى الرسالة إذ كان العلم يوم تدوين ألاناجيل مكللاً بالالفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الرومية، فلما إشتبهت عليهم المعاني، أخذوا بالظواهر فأعتقدوا بأن الارباب ثلاثة، وهذا اصل النصرانية، وقاربوا بها عقيدة الشرك ثم جرهم الغلوا لتقديس المسيح، فتوهموا أنّ علم الله إتّحد بالمسيح، فقالوا: أنّ المسيح صار ناسوته لاهوتاً، باتحاد أقنوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثم نشأت فيهم عقيدة الحلول، أي حلول الله () في المسيح بعبارات متنوعة، ثم إعتقدوا إتحاد الله بالمسيح فقالوا: الله هو عيسى المسيح، فهذا اصل التثليث عندهم، وعنه تفرعت مذاهب ثلاثة، أشار الى جميعها قوله تعالى: وَلَا تَقُولُوا ثَلَٰثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ (النساء : 171) (التحرير والتنوير جزء4 صفحة334 ). قال إبن عاشور عند تفسير الاية: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَٰعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ(المائدة : 116 ). (( وكانوا يقولون في عيسى لاهوتية من جهة الاب، وناسوتية من جهة الام)) (التحرير والتنوير جزء4 صفحة334). 4-4: عقيدة النصارى في أحوال عيسى () في مسائل: 4-4-1: شبهة اعتقادهم في تصور الله الانسان في الارحام ومنهم عيسى() وقد أجاد إبن عاشور في بيان إعتقاد النصارى في خلق الله )) الانسان ومنه عيسى()، وقد ردّ إبن عاشور هذه الشبهة ببرهان عقلي جلي مفاده أنّ من كان هذا حاله يخلقه الله في ارحام الأمهات ويصوره كيف يشاء، فمن كان هذا حاله كيف يكون إلهاً ؟ وقد جاء ردّه هذا في معرض تفسير قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( آل عمران : 6 ) فقد أخبر الله ()عن تصويره في الارحام، وقد إشتق لفظ الصورة من صاره إلى كذا أي أماله، فالصورة مائلة الى هيئة وشبه، كما أن أرحام الأمهات من الرحمة، فأصل الرحم من الرحمة، والآية المباركة كما أنّها تعظيم لله () فهي تتضمن الردّ على النصارى بأن عيسى () لايستثنى من كون الانسان من المصورين بفتح الواو (التحرير والتنوير جزء4 صفحة335). وقد توهم النصارى أن تخلق عيسى من دون أب، دليل على أنّه غيرُ بشر. وجهلوا أنّ التصوير في الارحام وإن اختلفت كيفياته، لكنّه لايخرج عن كونه مخلوقاً، ومن كان هذا حاله كيف يكون إلهاً ؟. وقد إستدل ابن عاشور بالآية المباركة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَٰنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( التين : 4 ) الردّ على النصارى الذين يؤلهونه، كيف وهو ممن صوره الله وخلقه في رحم أمه، وإن كان أصل تخلقه على غير العادة (التحرير والتنوير جزء4 صفحة335). 4-4-2: شبهة اعتقاد النصارى بموت عيسى (): ومع إعتقادهم بمو عيسى فأنهم يؤلهونه، وردّ إبن عاشور هذه الشبهة إذ يقول: لقد وصف الله سبحانه وتعالى نفسه في الآية المباركة اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (آل عمران : 2 ) اي الحياة الكاملة المستلزمة لصفة حياة الذات، والقيومية وهي بمعنى قيامه بنفسه، واستغنائه عن جميع المخلوقات، وان جميع الموجودات قائمة به، فمن لايتصف بهذه الصفات ليس اهلاً للتأليه ولايستحق العبادة، ومن هاتين الصفتين استنبط ابن عاشور مايردّ به على النصارى الذين ألهوا نبي الله عيسى(). وقال أنّ عيسى في إعتقاد النصارى قد توفىّ ولازمه عدم قيومته، كما انه في حال حياته ليس بقيوم على تدبير العالم، بل أنه أوذيّ في الله، وعذبّ واختفى من اعدائه (التحرير والتنوير جزء3 صفحة13)، قال: وفي هذا تناقض عجيب فكيف يُؤله من يطرأ عليه الموت؟ وكيف يكون إله من لم يكن قائماً بنفسه ولايستطيع ان يدفع عنها بلاء ولايتمكن من ان يدفع عنها ضراً ولايجلب لها نفعاً ؟ وكيف يقهر الموت والفناء على زعمهم ؟ فمن كان هذا حاله لا شك أنّه لا يستحق التأليه وليس اهلاً للعبادة (التحرير والتنوير جزء3 صفحة14). 4-4-3: شبهة النصارى بالغلو في المسيح لأنه خلق على غير العادة: إنّ الله () اذا أراد شيئاً لا يعجزه شيء، وإن قضى امراً فلا رادّ لقضائه، فلايجزه شيء في الأرض ولافي السماء، ولاحد لقدرته، ولامكان لعجزه، واذا أراد شيئاً ان يقول له (كن) فيكون، وقد إستدل الطاهر بن عاشور بالآية المباركة إِذْ قَالَتِ الْمَلَٰئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْءَاخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( آل عمران : 45 ) على إنحراف النصارى وغلوهم بألوهية عيسى، وأنّه مخلوق كباقي البشر الذين جاءوا عن طريق آبائهم بكلمة من الله كُن فَيَكُونُ. يقول ابن عاشور (( والكلمة مراد بها كلمة التكوين وهي تعلق قدرته تعالى بتنجيز ما أراده الله، ووصف عيسى بكلمة، والمراد كلمة خاصة أي مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين، أي من دون الأسباب المتعارفة المعتادة. وكلمة(منه) أي من دون واسطة أسباب النسل المعتادة، وقد دلّ عليه قوله تعالى إذا قضى امراً فأنما يقول له كن فيكون)) )التحرير والتنوير جزء3 صفحة14). ويرى الباحث أنّ ماذكره إبن عاشور هو المشهور بين المفسرين. وقد ذكر معنىً آخر هو أنّه سمي كلمة؛ لأنّ الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى. ومن خلال تفسير ابن عاشور لمفردات الآية المباركة اثبت بطلان النصارى لزعمهم بأتخاذ عيسى إلهاً. 4-4-4: بيان معنى خلق عيسى)) للاشياء: إنّ الله () حين أرسل رسله إلى أممهم وأقوامهم لتوحيد الله تعالى ونبذ الشرك، ولمقتضيات نجاح دعواهم، وتلقي الناس لها بالقبول، وخاصة أنّ أشدّ مايقف بوجه المصلحين هو تبليغهم الأمور الغيبية، ويُعد عائقاً أمامهم، وقد أيدّ الله تعالى الأنبياء والمرسلين بمعجزات كي يعلم الناس صدقهم، وكان كل إمة من ألامم قد تفوقت واشتهرت بمجال من المجالات كحرفة او صنعة او مهنة، فكان اليهود في زمن النبي موسى() مشتهرين بصنعة الشعوذة والسحر، وكانت معاجزه() كالحية والعصا واليد البيضاء، تشابه وتضاهي ماجاءوا به من سحر. وأمّا العرب المشركين في زمن دعوى رسول الله() فكانوا مشتهرين بالبلاغة والفصاحة، فجاء بصنعة تضاهي ما إشتهر عندهم من فصاحة وبلاغة.

المراجع

التنزيلات

منشور

2025-07-31