فاعلية الايقاع الداخلي في شعر ابن الصباغ الجذامي (دراسة اسلوبية)

المؤلفون

  • نار مجيد حسن جامعة صلاح الدين image/svg+xml
  • حمد عبيد السبهاني جامعة الأنبار/ كلية التربية للعلوم الأنسانية

الكلمات المفتاحية:

التكرار، الجناس، التصدير، التصريع، الترصيع

الملخص

الاهداف: تهدف الدراسة الى ابراز فاعلية الايقاع الداخلي في النص الشعري عند ابن الصباغ الجذامي، والبحث عن جوانب الإبداع والتجانس في النص، وتضمين النغم الموسيقي بأسلوب سلس وواضح بعيدا عن التكلف. المنهجية: آثرنا البحث في هذه الدراسة عن الايقاع الداخلي من خلال المنهج الاسلوبي معتمدا على توطئة واربعة مباحث: تمثلت التوطئة في الحديث عن اهمية الايقاع الداخلي ودوره في النص الشعري، ، أما المبحث الأول فخصص للبحث عن التكرار بعدّه الركيزة الأساس في الايقاع الداخلي والمبحث الثاني كان الحديث عن الجناس وجمالية تشكيله في النص الشعري وجاء المبحث الثالث لنتحدث فيه عن التصدير وما يحدثه من دلالات في النص الشعري .اما المبحث الرابع فخصص للبحث عن التصريع والترصيع وما لهما من نغم يساعد على تجانس النص الشعري.. النتائج : حفل النص الشعري عند ابن الصباغ بروائع التشكيل الايقاعي وكان التكرار والجناس والتصدير والتصريع والترصيع قد جسدت طلائع جماليات هذا التشكيل عبر شواهد شعرية موحية بدقة التعبير وجمالية التنغيم. الخلاصة: إنَّ الشعر يقوم على ايقاعات داخلية ونغمات موسيقية وايحاءات دلالية وهذه الايقاعات والنغمات والايحاءات تعين منتج النص في تكوين تشكيل نصي وخلق نماذج وأنساق شعرية تتجاوز المألوف وتثير المتلقي وفقاً لمعطيات التنظيم والتنسيق بين هذه الايقاعات والنغمات والايحاءات. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى اله واصحابه اجمعين... وبعد ان هذا البحث يُعنى "فاعلية الإيقاع الداخلي في شعر ابن الصباغ الجذامي" فقد قامت هذه الدراسة لمعرفه الإيقاع الداخلي لدى شاعرنا التي اشتملت على التكرار والجناس والتصدير والتصريع والترصيع ،فهذه الظواهر الإيقاعية لها دور فعال في إثراء التجارب الشعرية التي عاشها الشاعر ومن خلال هذه الظواهر الإيقاعية ساعدته في توظيف النصوص الشعرية، جاءت جوانب البحث بأبيات من الشعر تبين المقصود من كل موضوع تناولت إليه، فلا بد ذلك نقف عند تجليات الايقاع الداخلي على نحو الاتي: توطئة: الايقاع الداخلي جزء مساهم وعامل مهم من حيث تفاعل نصوص الشعرية كونه يحمل خصوصية إيقاعية تجعله يتخطى الوزن والقوافي لأنه يعتمد على نظام صوتي متنوع وله انماط مختلفة وهذا جعل له خاصية ايقاعية فعالية التي تمثلت التكرار والتجانس الصوتي والتصريع وغيرها مما يضيف هذه الخاصية جمالية في النص الشعري فضلا عن ذلك فإنه ينتج عامل التشوق الى المتلقي فالإيقاع "هي حركة لا يتم أدراكها من خلال السمع أو البصر، وإنما من خلال نمو الحركة داخل البناء الكلي للقصيدة()، لذا يعمل على تقوية النص وتكثيف الإيقاع القصيدة من خلال الظواهر الإيقاعية وهذا ما يعطي نغماً موسيقياً فعال يتناغم مع الإيقاع الخارجي، وليس الوزن والقافية كل موسيقى شعر، فالشعر الوان من الموسيقى تعرض في حشوه ، وشأن موسيقى الأطار تحتضن في موسيقى الحشو في الشعر شأن النغمة الواحدة تؤلف فيها الالحان المختلفة في موسيقى الغناء()، ويتدفق الإيقاع الداخلي في الكلمة والبنية معطياً بريقاً واشرقة ، فهو مشير إلى المشاعر ويحسن التعبير ويوضحها، عن أدق الخلجات وأخفاها()، تبقى جماليات الوزن الشعري والعروض ناقصة ما لم تبين الحركة الإيقاعية الداخلية التي تؤثر على نشاط الإيقاع الخارجي على نحو من انحاء، إذ إنها هي التي تمنحه مذاقه الخاص الذي يغير تأثير الوزن العروضي الواحد في القصائد المختلفة()، لذا أن الإيقاع الداخلي والخارجي احدهما مكمل الاخر وهذا ما ينتج نصاً متناغماً ايقاعياً وأبرزها هذه الظواهر : اولاً: التكرار: يعد التكرار مظهراً من مظاهر الأسلوبية فهو يلعب دوراً في بناء موسيقى القصيدة " الذي يعمدُ عليه الشاعر في تلوين ايقاعه وزيادة تنغيمه ، بحيث يشكل تأثيراً واضحاً في بنية الإيقاع الداخلي للقصيدة بوصفه ظاهرة في اغلب الفنون الأدبية لأنه ظاهرة طبيعية في حياه الانسان()، لذا "يكتسب التكرار أهمية كبيرة في النص الشعري فهو عنصر اساسي في الايقاع لاسيما إذا استثمره شاعر موهوب ليحقق اكبر قدره من التأثير في نفس السامع، وبما ينسجم مع وعيه وثقافته وطبيعته تجربته ومستوى عمقها الابداعي()، والتكرار" هو تناوب الألفاظ واعادتها في سياق التعبير بحيث تشكل نغماً موسيقيا يتقصده في شعر"()، متوافقة مع انفعالات الشاعر وعواطفه ، وقد يلجأ الشاعر إلى تلوين الإيقاع المتغير في نصه الشعري عن طريق التكرار؛ وذلك لما يحدثه التكرار من أثر موسيقي في نمطية الإيقاع المتغير، فيكرر الشاعر حرفا معينا أو لفظة أو عبارة، ويكون المكرر محورا تدور حوله الصورة، وتكرار الألفاظ أكثر من تكرار المعاني()، ومن خلال ذلك نرصد ظاهره التكرار في اشعار ابن الصباغ وقد اشتمل عنده تكرار الحرف يلجأ كثير من الشعراء الى تنويع النصوص الشعرية من خلال استخدام بعض الأصوات او الحروف مما يقوم الشاعر بترددها بشكل لافت موزعة في النص الشعري وفي كل صوت يحمل في ثناياه صفاته الصوتية هذا ما يضيف إيقاع خاص يبهر المتلقي فضلا عن ان هذه الاصوات تساهم في التلوين الإيقاع، فكل حرف او صوت او لفظ تحمل بوادر نفسية يرمي اليها الشاعر لمقصد او لدلالة ، أن تكرار الحروف ينتج نغمة موسيقية ملفتة للنظر لكن تأثيرها في النفس ليس كتأثير التكرار الكلمات وانصاف الأبيات او الابيات الكاملة ورغم ذلك فإن تكرار الصوت يساهم في إعداد المستمع للدخول في أعماق الكلمة الشعرية()، إن هذا النوع من التكرار يقوم على توطيد الجرس الموسيقى فالشعر يحقق موسيقى ليس فقط من خلال الإيقاع العام الذي يحدد الشعر، ولكن ايضاً من خلال الجرس الموجود في كل حرف من حروف الهجائية الموجود في البيت و تتابع هذه الحروف في كل كلمة من الكلمات المستعملة()، فقد حرص ابن الصباغ على تكرار الحروف في اشعاره التي تتلائم مع احوال الشاعر والتجارب الشعورية التي عاشها ومن الأمثلة التي وردت في التكرار حرف ( العين)إذ يقول شاعرنا(): (من الكامل) في هذه الابيات كرر الشاعر صوت العين في ثلاث عشر فأن تكرار هذه الحرف لتعبير الشاعر عن كيانه الداخلي ، واستعمل الشاعر الحرف العين ليحقق انسجاماً صوتياً يتلائم مع طبيعة النفس التي تميل لتعبير عن "الوضع النفسي الذي يعيشه الشاعر وهو وضع يشير بالأسى والحزن "()، وهذا ما ينتج نغمة موسيقة تتوافق مع المواقف التي يعيشها الشاعر، وقد أختار الشاعر حرف (العين) لتناسب المعاني التي أوحت على صدق العواطف النابعة من أحساسه فجاءت الكلمات بالجرس الموسيقي الذي انتجه حرف (العين ) الذي تمثل حال الحزن والألم تحوم في صدر الشاعر، من الأصوات الأخرى التي نراها صوت (الميم )من اصوات التي ساهمت في التكوين الموسيقى الداخلي للشاعر، وصوت الميم من الأصوات المجهورة ()، إذ يقول شاعرنا(): (بحرالكامل) تكرر صوت الميم أحدى وعشرون مرة وهذا ما أعطى القصيدة قيمة أسلوبية، تمثلت في إبانة نغمة القصيدة وهو ما يتبين في سياق الرؤية الشعرية التي انشأت على تكرار حرف الميم بشكل ملحوظ مما ادى الى كثافة صوتية منحت الإيقاع الداخلي سعة إيقاعية وهذا ما ساهم لفت انتباه المتلقي فالأبيات التي ذكرها الشاعر تمثلت بقيم اخلاقية اسبغها الشاعر على ممدوحه النبي (محمد صلى عليه وسلم) كما حرص الشاعر على استخدام هذا الصوت من خلال تنسيقات صوتية والفاظ متناغمة التي ادت دور بارز في تعزيز هذه الأبيات . إما تكرار الالفاظ يكون اكثر تباناً من تكرار الأصوات من حيث فعاليته في ايصال الأبيات وترابطها فضلا ما يساعد على إبراز الفكرة التي يرمي اليها الشاعر كما يظهر ذلك من خلالها المشاعر والأحاسيس التي تهيمن عليه نجد ابن رشيق القيرواني الذي خصص قسماً للتكرار فيقول: "للتكرار موضع يحسن فيها وموضع يقبح فيها فيكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعاني"() ويقول ايضا "لا يجب على الشاعر ان يكرر اسماً إلا على جهة التشوق والاستعذاب"()، وقد استعمل الشاعر العربي ظاهره التكرار اللفظي كونها تقنية تساهم في أحراز فاعلية الخطاب الشعري ولتبين هذه الفاعلية في توليد هذه الدلالة تارة وتوليد الإيقاع الخالص تارة اخرى او دمج بين الإيقاع والدلالة معاً(). إذ نجد الشاعر كرر لفظة (الأسى) إذ يقول(): (بحر الطويل) *** كرر الشاعر هذه اللفظة اختياراً متعلقا بالصوت وليس بالمعنى فقط إذ ان الشاعر يحتاج في هذه التفعيلة الى هذين المقطعين الصوتيين ولو استبدلها بمرادفاتها مثلا(الهم ،الحزن ،الغم) لحدث كسر في الوزن وهو ما لا يريده الشاعر فعمد على مبدا الاختيار، فكرر ليعبر عن يعتريه من حزن وأسى وكانت كلمه الأسى مرتكزاً دلالياً وفي الوقت نفسه اكمالاً للتفعيلة الصوتية. وايضا تكرار لفظة (شهر) إذ يقول شاعرنا(): (بحر الكامل) *** نجد في هذه الأبيات يكرر الشاعر لفظة (الشهر) وذلك لقصد أن يخلق جوا موسيقيا في نفس المتلقي ويشير الشاعر ان هذا الشهر بدايته نور وهدايته دينية وأعطى هذا الشهر قدسيته بذكر مولد النبي (محمد صلى الله عليه وسلم) ومن حيث مكانته الروحية ومقارنته بغيره من الشهور وهذا ما منح النص كثافة صوتية وما يؤكد المكان الروحانية الخاصة لهذا الشهر فجاء التكرار بهدف ان ينتج توازن موسيقي في الأبيات ، فضلا عن تكرار هذه اللفظة مستفيدا مما يعرف في الاسلوبية مبدأ التوزيع فجاءت كلمة شهر في بأحوال مختلفة فقال( بشهر، شهر به ،وشهر بيمن، الشهور) ما اعانه على انسجام البنية الصوتية فضلا عن الانتفاع الدلالي. ومن أنماط التكرار اللفظي عند شاعرناهو تكرار الضمير (هو ) إذ نجده يقول(): (بحر الكامل) نجد في هذه الابيات قد تكرر ضمير الغائب(هو)سبع مرات بشكل ملفت للنظر وهذا يدل على المهارة اللغوية عند الشاعرفقد استخدم الشاعر ضمير الغائب (هو) لممدوحه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) فأعطى هذه الصفات( السمو، والكرم، والشرف)وهذا ما اضاف نغم موسيقي يتلائم مع موسيقى البحر الكامل لهذا فقد ساعده التكرار من حيث الوصول الغرض الذي يطمح اليه الشاعر فضلا عن إلى أن البحر الكامل الذي أستعمله الشاعر كونه يمتاز بطول نفس ، وهذا ما منح ان الشاعر يوصف الرسول محمد ( صلى الله عيه وسلم) بهذه الصفات بين الشرف والكرم وبين جمال الذي يشيع نوره بالإيمان وطلعته التي تتلألأ كالبدر وفي بيت الأخير استعمل الشاعر لفظة (عصمتي)اي المنع و امتناع الشاعر عن الوقوع في الخطأ وارتكاب المعاصي، كونه يقتدي برسول (صلى الله ع ليه وسلم) ، فتكرار ضمير (هو) اعطت صفة فردية وهذا ما منح الأبيات نغمة وجرس موسيقى وإيقاع رائع. وقد أستفتح الشاعر بتكرار (من لي) إذ يقول(): ( بحرالكامل) نجد ان الشاعر قد استعمل فعالية التكرار التي تضمنت بصيغة أسلوب الاستفهام (من) وكررها في أربع مرات كون أسلوب الاستفهام يحمل دلالات استفهامية وهذا التكرار منح النص بعدا ايقاعياً فتكرر لفظة (من) بداية كل بيت بما يؤكد حالة الشاعر لقينه بعدم وجود شافع له يخلصه من هلاك يوم القيامة فتكرار يضيف ايقاعاً خاصاً عن حالة الشعورية التي يعشها الشاعر من حيرة والقلق التي تسيطر عليه فحدث تواتر في الأبيات ،فعند استخدام اسلوب الشرط (إذا) اعطت مجال للمتلقي الجواب عن هذه التساؤلات فكان هدف التكرار تحفيز المتلقي وشد انتباهه ،وعلاوة على ذلك تضافر مع تكرار( من ليّ) التي تصدرت بها الابيات التي اوحت بالإرتجال تضافر التسهيل في حركة الهمزة (الجزاء ،تنبي _ تنبئ) مع إدغام حرفين في (امتُلت) والتي اصلها ( امتثلتُ). ثانياً- الجناس: يعد التجنيس نهجاً ايقاعياً يساهم في تشكيل المعنى ،"فالجرجاني يؤكد ان الجناس ما هو الا استجابة لنداء المعنى فان لم يكن كذلك يفقد النص مضمونه المعنوي وفحواه الدلالي ليصير اللفظ مجرداً وكأنه جسداً بلا روح "()، وذلك لا نجد جناسا مرضى او حسن الا اذا كان المعنى يستبغ به وغير ذلك يكون اللفظ خاوي من الدلالة ، لذا الجناس" ظاهرة صوتية ذات تأثير فعال في اثراء الإيقاع الداخلي للنص الادبي بحيث انه يعطي للنص شعرية متميزة وحيوية خاصة()، فالجناس يشغل حيزا كبيرا في الادب ،كما تتفاوت تعريفاته وعرفه كل ناقد من وجهه نظره متفقين في بعض الامور ومختلفين في الاخر، فقد اطلق عليه ابو هلال العسكري (التجنيس) "هو أن يورد المتكلم كلمتين تجانس كل واحدة منهما صاحبتها في تأليف حروفها()، كما اطلق عليه قدامة بن جعفر (المطابق )و(المجانس) لذا يقول "من صفات الشعر المطابق المجانس ومعناهما ان تكون الشعر معانٍ متغايره قد اشتركت في لفظة واحدة او الفاظ متجانسة مشتقة()، اما ابن سنان الخفاجي(ت 466ه‍) الذي يخضع تحت مفهوم (التناسب ) والمجانس تتناسب مع الالفاظ، اي ان بعض الالفاظ تكون مشتقة من بعضها إذا كان معناها واحد ،او تكون بمنزلة مشتق اذا كان معناها مختلفاً او ان تتلائم صيغة اللفظتين مع اختلاف المعنى"()، فضلا عن عبد القاهر الجرجاني يقول: "أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وألحقه بالحسن وأولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم"()، واستنادا إلى هذا جمع النقاد على ان جناس يُبنى على تشابه بين اللفظين والاختلاف في المعنى ،وفي كل الاحوال فالجناس يرسخ الإيقاع ويثير الموسيقى الداخلية للقصيدة ،من خلال الترجيح الموسيقى والكلمات المتوافقة(). ومن خلال ذلك نشير الى الدراسة الإحصائية للجناس تمثل. تبين من خلال الجدول اعلاه ان جناس الاشتقاق ورد بنسبة عالية في شعر ابن الصباغ مقارنته بالجناس التام والناقص، وهذا ما " يميز هذا النوع من الجناس تعدد أشكال تحققه في النص، إذ يمكن أن يشتق من المادة الواحدة أكثر من كلمة، ومن ثم يكون التجانس بين عدة ألفاظ وليس بين اللفظتين فقط()، فجناس الاشتقاق الذي قصده قدامة بقوله:" هو أن تكون في الشعر معانٍ متغايرة قد اشتركت في لفظة واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة()، فضلا عن ذلك هي تقنية صوتية ذات صوت جميل نغمة مميزه تساهم بشكل كبير في زيادة تصاعد الإيقاع بسبب الارتداد الصوتي والصدى الموسيقي للأصوات ، لذا أمتاز هذا النمط من الجناس بأنه" ذات قوه إقناعية وليست مجرد حلية لفظية "() ومن خلال ذلك نوضح الدور الاسلوبي لهذه الانماط الإيقاعية في تكوين تجربه الشاعر ومن الأمثلة التي وردت في قول شاعرنا(): (بحر الطويل) *** تضمنت هذه الابيات معالم إيقاعية مختلفة تتمثل في الجناس الاشتقاقي عن طريق مشتقات كل لفظة كما في (العليا _العلو) في البيت الاول (امام _امامها) في البيت الثاني (مرام_ مرامها) في البيت الثالث (يروى_ بريها) في البيت الرابع (حمام _حمامها )في البيت الخامس ،فهذه المشتقات في الابيات بما تؤدي الى نغمات موسيقية متجانسة الناتجة عن تقارب الاصوات في الكلمات على وفق متناسق يوحي على المعنى ويعززها ،تمثلت هذه الابيات عن شرف النبي محمد (صلى الله عليه سلم) ومكانته فجاء جناس الإشتقاق لتأدية الغرض الذي يطمح اليه الشاعر لممدوحه ولفت انتباه المتلقي فهذا النوع من الاصوات تتوافق مع الجو العام الابيات فجاء الجناس لتأكد المعنى الذي يرسخها الشاعر ممدوحه مما اعطى الأبيات تجانساً صوتياً. إما الجناس غير التام " وهو ان يختلف اللفظتان من حيث حروفها وأعدادها وهيئتها وترتيبها()، وقد سماه اغلب البلاغيين (تجنيس ترجيع) واخرين اسماه تجنيس التذييل()، ومن الأمثلة التي وردت قول شاعرنا(): (بحر الطويل) ورد في هذا البيت جناس غير تام بين لفظتين( الملك _الهلك) تباينت في اختلاف الوحدات الصوتية في بداية الكلمة فضلاً عن الدلالية فاللفظ الاولى دلت على ما ملكت اليد من مال وخول اما اللفظة الثانية دلت على التهلكة فاختلاف الوحدات الصوتية زادت جمال الموسيقى ولفت انتباه المتلقي، وقوله ايضا(): (بحر الكامل) نجد في هذا البيت تجانسا لفظيا بتكرار المادة الصوتية اللفظتين بما يحضر في فهم القارئ ان هذا الضرب من التكرار اللفظي لا يحمل في طياته دلالة لهذا المعنيين ولكن الرجوع الى المفهوم السياقي نجد تفسيرهما يختلف عن الاخر وذلك ان لفظة التجنيس الاولى ( الخيفَ) التي تدلت على مقر تجمع الاحباب، اي وجود الاحباب يشعر القلب بالاطمئنان وسكينة ، إما التجنيس الثاني (الخيفُ) دلت على المكان المرتفع اي اجتماع الاحباب يخفف من شعور الخوف، فصور الشاعر الحالة الشعور التي الشاعر من الراحة والخوف فهذا النمط من تجنيس الذي انتج ايقاعاِ متميزًا يربط الدال مدلول ويعزز التماسك بينهما لقصد الإثارة وتحفيز مشاعر المتلقي. وفي سياق اخرى يقول(): (بحر الطويل) ان الوحدات الصوتية التي كونت نظام التجنيس في هذا البيت ( سجف _السَّجْفُ)نجد ان للفظتان متفقتان في نمط الوحدات الصوتية ولكن مغايره من حيث المعنى ذلك ان( سجف) الاولى التي دلت ستار الغيب اما اللفظ الثاني (السجف) دال على رفع الستار فضلاً عن هاتين لفظتين جاءت تصديرا في البيت لجأ اليها الشاعر وذلك لتقويه الاداء الصوتي، فتكرار لفظتي كل من التجنيس والتصدير بما يؤدي إلى تأكيد المعنى لمراد للشاعر كما يلاحظ التلوين الصوتي لعب دور من حيث إبراز المعنى مما جعل متلقي اكبر اثارة وتفاعل لدى هذا التكوين والتشكيل. ثالثاً- التصدير يعد التصدير "من أنماط التكرار اللفظي"()، هو ان يكون" احدهما في اخر البيت والاخر في صدر مصرع الاول، او حشوه ، او اخره او صدر الثاني "()، واختلف تسميته عند النقاد القدامى فأبن الرشيق القيروان سماه " باب التصدير" وهو أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك، وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقا وديباجة، ويزيده مائية وطلاوة()، وسماه ابن منقذ (ت548 ه‍ )" باب الترديد" ﻭيسمى ﺍلتصدير"، اعلم أنّ الترديد هو ردّ أعجاز البيوت على صدورها أو ترد كلمة من النصف الأول في النصف الثاني() عندما نأخذ نظرة أحصائية لتصدير الذي ورد في اشعار ابن الصباغ نجد عدد الابيات التي وردت بها التصدير أثنان وسبعون بياتاً، فالتصدير من منظور إيقاعي يقوم على تكرار العبارات بصورة متباينة بين الحروف والتنغيم وان تكرارها بما ينتج مجموعات صوتية تساهم بشكل كبير في تشكيل المعنى وادائه فضلا عن ذلك يمنح الشعر جمالاً وجرساً موسيقياً مؤثرا على السمع. ومن الأمثلة التي وردت قول شاعرنا():( بحر الطويل) الملاحظ في هذا البيت تصديراً صوتياً في كلمتي( حليف _الحلف )في صدره وعجزه وهذا ما اعطى البيت تجانساً صوتياً فضلا عن هاتين الوحدتين الذي يجمع بينهما اشتقاق صوتي فاستخدام اسلوب التصدير ليعطي النص جرساً ايقاعياً فضلا عن تقوية المعنى، وقوله ايضا(): (بحر الطويل) *** في مثال هذه الابيات تكررت مفردات (الطيف ،الطيفُ) في بيت الاول( فيالهف ،لهفُ) في البيت الثاني، فالتماثل الصوتي انتج نغماً موسيقياً انتجته تكرار المفردات في البيت تعمل على تأكيد وإبراز المعنى العام ففي سياق المثال الاول كان خيال الشاعر واسع وهذا ماساعده الوصول الى مراده إما في سياق البيت الثاني حزن وتحسر على ما مضى من ايام شبابه ، ولاشك إن التكرار اكد المعنى فضلاً عن ذلك اعطى جمالاً موسيقياً. رابعاً- التصريع : هو ان يطابق الشاعر لفظين بين شطر البيت وذلك ليصبح العروض مطابق للضرب من حيث الوزن والقافية قد عرفه ابن رشيق القيرواني بقوله:"فهو ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﺮﻭﺽ ﺍلبيت ﻓﻴﻪ ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﻀﺮﺑﻪ: ﺗﻨﻘﺺ ﺑﻨﻘﺼﻪ ، ﻭﺗﺰﻳﺪ ﺑﺰﻳﺎﺩﺗﻪ"()، يوضح لنا ابن رشيق استعمال الشاعر التصريع بقوله: "سبب التصريع مبادرة الشاعر القافية ليعلم في اول وهله أنه اخذ في كلام موزون غير منثور، لذلك وقع في اول الشعراء وربما صرع الشاعر في غير الابتداء، وذلك إذا خرج من قصة الى قصة او من وصف شيء الى وصف شيء اخر فيأتي حينئذ بالتصريع اخياراً وذلك وتنبيهاً عليه"()، كما عرفه ايضاً ابن حازم القرطاجني بقوله :"فإن للتصريع في أوائل القصائد طلاوة وموقعاً في النفس لاستدلالها به على قافية القصيدة قبل انتهاء إليها، ولمناسبة تحصل لها بازدواج صيغتي، العروض والضرب وتماثل مقطعها()، اما قدامة بن جعفر فقد جعل التصريح من خاصية عند "الفحول المجدين الشعراء القدماء والمحدثين ...ولا يكادون يعدلون عنه وربما صرعوا ابيات اخرى من القصيدة بعد البيت الاول، وذلك يكون من اقتدار الشاعر وسعه بحره"()، فالتصريع هو دليل على قدرة الشاعر وسعة بحره وقوة طبعه()، وله حضور نسبي في اشعار ابن الصباغ حيث ورد عدد ابياته احدى وسبعون بيتاً. ومن الأمثلة التي وردت قول شاعرنا(): (بحر الطويل ) فقد اضفى التصريع لوناً موسيقياً خاصية نغمية ساعد على تجانس اجزائها ،فقد جاءت قافية عروض البيت الاول (ودها)رمتوافقة لقافية الضرب (دموعها) مما اسهم تقوية الجانب الإيقاعي فضلا عن الجانب الدلالي الذي يثير ما كان يعانيه الشاعر من حب وشوق الى زيارة ديار الحبيب محمد( صلى الله عليه وسلم )وهذا ما اعطى النص قيمه موسيقية وتنغيم إيقاعي فضلا مما اسهم صوت الهاء الى "وظيفة دلالية عميقة تتجاوز صوت الظاهر والإيقاع الجميل "( ). وفي سياق اخر يقول ( ): (بحر الوافر) جاء التصريع بين كلمتي (انسجام )،(الحمام) وهذا ما انتج جواً موسيقيا عبر تكرار مفردات صوتية ضمن بيت شعري واحد، وهذا ما اعطى النص تناغم موسيقيا وجرس واضح ابراز المعاني وترسيخها في ذهن المتلقي . خامساً: الترصيع ظاهرة من الظواهر الأسلوبية ووسيلة إيقاعية ،هذا ما لفت انتباه النقاد والمنظرين العرب القدماء الذي شعروا بقيمتها الصوتية ووظيفتها الايقاعية ،وذلك اشار اليها ثعلب(ت291ه‍) اعطى مصطلحًا اسماه( الأبيات الواضحة)،وﻫﻲ ﻣﺎ اﺳﺘﻘﻠﺖ أﺟﺰاؤﻫﺎ و ﺗﻌﺎﺿﺪت وصولها وﻛﺜﺮ ﻓﻘﺮﻫﺎ واﻋﺘﺪﻟﺖ ﻓﺼولها،فهي كالخيل الموضحة والفصوص المجزعة، والبرود المحبرة()، ومن المحتمل ان قدامة بن جعفر اول من اجاد شكلها الاصطلاحي اسمه( ترصيع) " يتوخى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه به أو من جنس واحد في التصريف"()، شكل ترصيع او التجنيس الداخلي وسيلة مشبها للقافية وهو مثلها يلعب على الاحتمالات اللغوية ليستخلص منها تجانساً صوتياً()، والفرق بينهما ان الترصيع يعمل داخل البيت ويشابه بين كلمة و وكلمة على حين ان القافية تعمل بين بيت وبيت()، لذا ان الترصيع بما يعطي النص حيوية وتجديداً لذا يتجاوز حد القافية التي تنحصر على الجانب الايقاعي فقط ، والتي بلغت عدد ابياتها عند اشعار ابن الصباغ ثلاثٍ وستون بيتاً، ومن الأمثلة التي ورت لقول شاعرنا(): (بحر الطويل) اشتمل في هذا البيت على ثتائيتين متماثلتين صوتياً بين لفظتين( العاشقين، الراشقين )مما اضاف هذا الاسلوب تناغماً موسيقياً في البيت بسبب انسجام الحروف بين اللفظين ،وقد تمكن الشاعر من خلال هذا النوع يوظف سعته على التكرار الصوتي ،فضلا يوحي عن تجاربه الشعرية مع محبوبته الذي يرمي رشقه من سهمه فتصيب الفؤاد فهذا النوع من الترصيع له أثر لجذب انتباه المتلقي. وقوله ايضاً(): (بحر الوافر) يتضمن هذا البيت من ثنائيتين متجانستين صوتياً متشابهتين تركيبياً بين( جلالكم جمالكم) فهذه التشكيلة الموسيقية الناتجة من خلال المماثلة الصوتية والتركيبية فكان لها اثر فعال في تشكيل البيت، فقد ورد في البيت سياق النهي الذي يحمل في طياته عن البعد والولع وهذا مما اضاف البيت جرساً موسيقياً فضلاً عن، إثارة المتلقي وتفاعله النص ما يزيد المعنى جمالاً(). ومن صميم الموسيقى الداخلية تجلى الشاعر اهتمامه بالألوان الموسيقى التي تمثلت التكرار والجناس والتصريع والتصدير الترصيع وغيرها وكل هذا التلوين الموسيقي عند الشاعر نابعة من صدى النفسي عند الشاعر التي عكست على قصائده ، فقد نجح الشاعر أن ينتج انسجام متكامل بين الإيقاع الداخلي والخارجي في تكوين بنية متكاملة أنتجه عن الهام وجداني فعال فضلاً عن ذلك نجد كثير من قصائد شاعرنا التي اشتملت عن الفراق الأحبة والهجر والبعد قاصداً لإثارة المتلقي وتحريك مشاعره وتنميه احاسيسهم بالجمال باستخدام هذه الظاهرة الإيقاعية. الخاتمة والنتائج تعد الخاتمة الجزء الأخير من البحث والتي توضح النتائج التي أتى إليها البحث وهي مجملة بالاتي: 1-حفل النص الشعري عند ابن الصباغ في تكوين إيقاعي فكان التكرار والتصدير والجناس والترصيع كونت روائد جمالية مما اعطت الشواهد الشعرية تعبيراً وحسن التنغيم . 2-عبر الشاعر من خلال هذه الظواهر ليعبر عن الحالة الشعورية التي يعيشها وارد ان ينقل هذا الشعور الى المتلقي ليهيج مشاعره فهذه الظواهر ساعدته ليصل الى ما يرنوا اليه . 3-شكل الإيقاع الداخلي من خلال تناغم الصوتي اداة ايقاعية لدى الشاعر بتكرار حرف معين ليشد كثافته ما يؤدي الى دلالات مختلفة يتغير باختلاف السياق فضلاً عن الجناس مما اعطى جمالاً موسيقياً في شعر ابن الصباغ وذلك ليلفت انتباه متلقي من خلال تنوع الأسلوب. الهوامش

المراجع

التنزيلات

منشور

2025-07-31