شرح مقامات الزمخشري قراءة في ضوء علم اللغة النفسي لنماذج مختارة
الكلمات المفتاحية:
علم اللغة النفسي، المقامات، الزمخشري، النص، المقطع الصوتي، المُثير الأول، المُستجيب الأول، المُثير الثاني، المُستجيب الثانيالملخص
تهدف الدراسة الى بسط مساحة لأحد فروع علم اللغة، أَلا وهو علم اللغة النفسي، وهي دراسةٌ تحملُ طبع الجِدَّة فلا تتخطى المثول أمام مصطلحات تؤسس لهذا العلم وتدعم مفاهيمه اعتداداً بالهُجنة في أصل وضعهِ، فعلم اللغة النفسي يبدأ باللغة وينتهي بالعمليات العقلية والمؤثرات النفسية التي تشكل اللغة، على العكس من علم النفس اللغوي الذي يبدأ بالعمليات العقلية ومكامن الشعور واللاشعور وما ينتج عنها من إفرازات لغوية، فكان لا بُدَّ من الوقوف عند مفهوم علم اللغة النفسي اعتداداً بكونهِ أحد المجالات التطبيقية في اللسانيات الحديثة، والمجالات التي يبحث فيها من حيث الأداء والاستقبال اللغوي، فضلاً عن بسط القول في مكونات اللغة لكونها ظاهرة إنسانية تخضع لمظاهر السلوك الإنساني، مؤديةً وظائف تعكس صورة المؤدي، فتُناط بمُستَقبِلها إثر ذلك استراتيجيات خاصة تنضوي تحت نماذج قرائية يُتناول فيها النص على وفق مفهوم لغوي نفسي، لتجسد أدائية اللغة النمط السلوكي والأبعاد الشخصية لِمُنشِئ النص . لقد زخرت نصوص مقامات الزمخشري(538ه) بانتقائية شكليّةٍ، ورمزيةٍ، وشَكَّلت تواصليتها مرتعاً خصباً اعتملت فيهِ مؤثرات نفسية أخضعته لاستراتيجيات القراءةِ، فبدت الوظائف البرجماتية متوازيةً على مستوى المقامات بالإجماع، فتَبدَّى للقارئ التّبدُّل السلوكي، والمفهومي عند الزمخشري، وتَجَلَّت علاقته بنصوص المقامات من خلال عرض المفاهيم وشرحها وهي علاقةٌ ثنائية أو مزدوجة فتبدَّى ذلك من خلال مخاطبته لنفسه فيها على نحو: ” يا أبا القاسم “ فكان الواعظ والموعوظ الأول أو المُستفيد الأول، ليُمثل متلقي المقامات الموعوظ الثاني أو المُستفيد الثاني وفقاً لمفهوم تواصلية اللغة، وتجدر الإشارة إلى قراءةٍ خاصةٍ تمَّ تَبنِّيها وإدراجها في محتوى الدراسة تقوم على رؤيةٍ إزدواجيةٍ لمفهوم: (المُثير والاستجابة) في ضوء علم اللغة النفسي، وهي بسط صورة النص قبل تَشكُّلِهِ من خلال المؤثرات النفسية الواعزة لإنشائهِ كـ (مُثير أول)، ويكون مُنشئ النص هو: (المُستجيب الأول) لتلك المؤثرات، وبالتالي يُشِّكل النص (مُثيراً ثانياً) يُجسِّدُ تلك المؤثرات بعدِّه نتيجة تطرح مفاهيم مُفرزة ليُشكِّل القارئ (مُستجيباً ثانياً) لتلك المؤثرات من خلال النص. تمَّت قراءة محتوى المقامات على وفق نموذج القراءة التفاعلية، والتي لا يستقيم فيها المعنى باتجاه واحد، فقد تكون القراءة من الأدنى الى الأعلى أو العكس، فكان الوقوف على النصوص في حدود المحتوى الصوتي والصرفي والمعجمي والتركيبي ضمن الإطار العام للأداء اللغوي في علم اللغة النفسي، فَصُبَّت الدراسةُ في محورين اثنين يستوعبان غاية البحث في ربط اللغة بمفاهيم علم النفس اعتداداً بالعلاقة بينهما. المحور الأول :- بين علم اللغة وعلم النفس:- الحمدُ لله الذي بنعمتهِ تَتِمُ الصالحات، والصلاةُ والسلامُ على عَبدهِ ورسولهِ المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبهِ أجمعين، أمَّا بعد: فلمَّا كان علم اللغة النفسي يجمع علمي اللغة والنفس معاً، فبدأ مفيداً من مُنجزات علم النفس اللغوي، فإنَّ أحد الأهداف الرئيسة في معرض الدراسات النفسية للكلام هو استخدام التجريب للكشف عن العمليات العقلية التي تستدعي مفردات اللغة وتحقق الدلالة()، فالدلالة اللسانية لا تجمع اسماً إزاء مُسمَّى ولا تربطُ المعنى باللفظ، إنَما تتحققُ بالتصوّر المقرون بالصورة السمعية والتي لا تعني صوتاً مادياً فيزيائياً، إنَّما هو أثرٌ سيكولوجي (نفسي) ناتجٌ عن الصوت وهو التمثيل الذي تعطينا إيَّاه شهادةُ حواسِّنا، فالصورةُ السمعية إذن نِتاج أعضاء النطق والقدرات الحسية عند الإنسان(). وهو ما أشار إليهِ دي سوسير موضحاً العلاقة بين علم اللغة وعلم النفس، وخاصةً علم النفس الاجتماعي، مؤكداً على فكرةٍ مفادُها: إنَّ كل ما في اللغة جوهرهُ علم النفس، فاثارةُ صورةٍ سمعيةٍ في الدماغ من خلال تصوّرٍ أو مفهوم مُتمثّلٍ بالمدلول يمثلُ ظاهرةً سيكولوجية تعقبها عمليةٌ فيسيولوجية، فالدماغ ينقلُ الى أعضاء الصوت محتوى القوة الإندفاعية، والتي هي بالمحصلة قوة سيكولوجية مقابلة للصورة السمعية أو الأثر السمعي المتمثل بالدال(). فيُعَرَّف علم اللغة النفسي بأنَّهُ أحد فروع علم اللغة الحديث الواقع في الجانب التطبيقي من علم اللغة، ويهتم بدراسة السلوك اللغوي للإنسان، والعمليات النفسية والعقلية والمعرفية التي تحدث في أثناء فهم اللغة واستعمالها، والتي يكتسب منها الانسان لغتهُ()، فيُعدُّ نقطة تقاطعٍ بين اللسانيات وعلم النفس لاهتمامهِ بمعرفة أثر اللغة في النفس الإنسانية() . ومجال هذا العلم محصورٌ بالسلوك اللغوي للفرد، والواقع في محورين أساسيين هما:(الاكتساب اللغوي، والأداء اللغوي)، فأمَّا الاكتساب اللغوي فيُنبّئ عن عوامل كثيرة لا تزال تَخفى في اكتساب اللغة في مرحلة الطفولة، وأمَّا الأداء اللغوي فهو المجال الثاني لعلم اللغة النفسي، وهو مجال بحثنا فينظر في الكيفية التي يؤدي فيها الفرد لغته، وما يكمن وراء ذلك من عمليات، ويقع الأداء اللغوي في ضربين: أداء إنتاجي: ويُسمّى بالأداء النشط أو الفاعل، متعلقٌ بالإنسان الذي ينتج اللغة. أداء إستقبالي: أو يسمى بالأداء السلبي، ويتعلق بالإنسان المُستَقبِل للغة، حين يكون مُستمعاً أو قارئاً، وبذا تكون دراسة السلوك اللغوي عند الإنسان منضوية ضمن اطار(المثير والاستجابة) (). ولمَّا كانت اللغة ظاهرة إنسانية تندرج تحت مظاهر السلوك الإنساني الأخرى، فإنَّ ما يصدق على دراسة السلوك الإنساني يصدق على دراسة اللغة، فبدت آثار ذلك كله في دراسات بلومفيلد اللغوية متَمثِّلةً بمصطلحات نفسيةٍ خالصة: (كالمُثير والاستجابة)، و(الشرط والاستجابة البديلة) فيما يتعلق بدراسة المعنى. فلا يُعَدُّ الكلام مجرد أصواتٍ معينة تصدرها أعضاء النطق، إنَّما تُوجِّه هذهِ الأصوات أُذن السامع أو المُستَقبِل، فتثير في ذهنهِ عملياتٍ عقلية مُتعددةٍ تُحوِّل الأصوات إلى دلالاتٍ ومعانٍ، فضلاً عن أنَّ المتكلم أو المرسل نفسه وقبل شروعهِ في الكلام وأثناء عملية التكلم وبعدها- فيما لو كان منتظراً الاستجابة مثلاً- تقوم في نفسهِ عمليات عقليةٍ ونفسيةٍ اعتداداً بأنَّ اللغة ترتبط بسلسلةٍ من العمليات النفسية و العقلية التي تُدرس تحت ما يُسمّى بعلم الأصوات النفسي وهو بالتالي ضمن حدود علم اللغة النفسي كما ذكرنا آنفاً(). واللغة بوصفها نشاطاً إنسانياً يتمثل من جانب في المجهود العضلي الذي يقوم به فردٌ من الأفراد، ومن جانبٍ آخر عملية إداركيةٌ مناطةٌ بالتفكير وهو إعمال العقل وهذا النشاط العقلي ينبغي أن يكون لغايةٍ معينة(). وبوصفها عملية بيولوجية عصبية في أساسها تكون متغيرة بتغير ظرف الخِطاب والمُخاطب والمتكلم، فالى جانب الثوابت اللغوية في الدماغ كالقواعد النحوية، إِلَّا أنَّها تتغير وتخرج عن تلك القواعد على الرغم من ثباتها اعتباراً بديناميكية اللغة(). فتُناط باللغة وظيفتان مستقلتان: الاتصال الخارجي وما يعادله في الأهمية من الاستخدام الداخلي لأفكار الإنسان، ومن معجزة الإدراك البشري أنَّ كُلاً من هذين النظامين يستخدمان نفسَ الشفرة اللغوية(). وتتعلق الصعوبات بكيفية تحليل الكمِّ الهائل من إنتاجات اللغة المنطوقة أو المكتوبة، وكيفية إخضاعها لأساليب الضبط التجريبي؛ لغرض الوقوف على مُسببات ونتائج السلوك اللفظي، وهو ما استدعى ميل علماء اللغة النفسيين للتركيز على فهم الكلام واستيعابه من مُنطلق أدق()، فاللغة بوصفها منظومة تتشكَّلُ من مكونات ثلاثة : المكون الشكلي: وتحدّها ثلاثة مكونات فرعية تتمثَّلُ بـ : المكون الصوتي، والمعجمي، والصرفي، والنحوي . المكوّن السيمانتي أو الدلالي: ويتعلق بفهم المعاني في حالتي التلقي: (الإصغاء – القراءة)، أو في حالتي التعبير: (التحدث – الكتابة)، وكشف الغموض والتعرف على وحدات المعنى. المكون البرجماتي، أو النفعي: ويتمثل بالتطبيق العملي للغة، وما يتعلق بطريقة استخدامها للتواصل، فينصبُّ الاهتمام على السياق والمستمع والموقف الذي تستخدم فيه اللغة، وتتحدد الوظائف البرجماتية للغة بـ :- الوظيفة الأدائية: وتُعنى باستخدام الفرد للغة حصولاً على ما يريد. الوظيفة التنظيمية: وتُعنى باستخدام اللغة لإصدار أوامر للآخرين وتوجيه سلوكهم. الوظيفة التفاعلية: وتُعنى باستخدام اللغة بقصد تبادل المشاعر والأفكار بين الفرد والآخرين. الوظيفة الشخصية: وتُعنى باستخدام اللغة بقصد تعبير الفرد عن مشاعره وأفكاره. الوظيفة التمثيلية: وتُعنى بتمثيل المعلومات والأفكار وتوصيلها للآخرين من خلال اللغة. الوظيفة الشعائرية: وتُعنى باستخدام اللغة للتعبير عن إيديولوجيات الجماعة وممارسة طقوسها الدينية. الوظيفة التخيلية: وتُعنى باستخدام اللغة للتعبير عن تخيلات وإبداعات الفرد. الوظيفة الاستطلاعية: والقصد منها الكشف عن أسباب الظواهر من خلال اللغة() . وإذ ذاك لا بد من الوقوف على مفهوم تلقي النص وكيفية إخضاعهِ للتحليل، ولا سيما القراءة:- (فهي مهارةٌ إتصاليةٌ مُركَّبة تقوم بمسؤلياتها من خلال نسق معين وظيفته إلتقاط الرموز والحروف والكلمات المطبوعة، وإضفاء المعنى على هذهِ الرموز والحروف والكلمات)()، توصَفُ القراءةُ من منظور علم اللغة النفسي بأنَّها: عملية إتصالية معقدة يتفاعل فيها عقل القارئ ومعلوماته اللغوية وخبراته مع النص في سياق معين فضلاً عن سِمَتِها الحضارية، كما تُوصف بأَنَّها عملية إنتقائية يستغل فيها القارئ الحد الأدنى من الإشارات اللغوية التي يختارها من النص مُستنداً إلى حدسهِ الأولي للمعنى، فضلاً عن خبراتهِ ومعلوماته، وهذا الحدس قد يُؤكَّد من قبل النص أو لا يؤكَّد(). ويحدد للقارئ استراتيجيات خاصة قبل الشروع في القراءة بوصفه نشاط سابق لها تَتَمثَّلُ بربط المعلومات الجديدة بالخلفية المعرفية السابقة والتنبؤ بما سوف يحتويه النص فيتم ذلك من خلال: المراجعة العقلية للمعلومات المكتسبة سابقاً. القراءة الاستدلالية السريعة للعنوان. تحديد الالفاظ الرئيسة والفرعية في النص. فرض الفروض وتحديد التوقعات فيما يتعلق ببنية النص وتحديد الغرض من القراءة. ويتم أثناء القراءة صقل وتنقيح التنبُّؤات المبكرة والفروض، وتحديد مواضع الاهتمام بما هو هام وتهميش ما ليس بهام وفق الغرض المحدد من القراءة، وينغمس القارئ في تلخيص النص بوصفه نشاط ما بعد القراءة، فيحدد النقاط الأساسية التي ركز عليها()، فيؤدي إثر فهمهِ مهمتين في آن واحد وهما: القراءة الحرفية، وفهم المعنى فيُعدُّ الأول مُثيراً والثاني استجابة، وهو ما يُسمّى بنموذج القراءة الجزئية أو الحرفية، إذ يعتمد القارئ اعتماداً كلياً على النص بدءاً من الأدنى الى الأعلى ويتمثَّلُ الأدنى بالنص والاعلى بالمعنى، فيشترطُ في فهم النص النظر في بنائه التراكمي الذي ينتظم مرحلياً بدءاً بالحرف أو الفونيم فالكلمة فالعبارة وانتهاءً بالجملة(). ونموذج القراءة الثاني في ضوء علم اللغة النفسي هو نموذج القراءة الكلية من الأعلى الى الأدنى أي قراءة المعنى قبل القراءة الحرفية للنص، ويُحكِمُ هذا النموذج على الاهتمام بالخلفية اللغوية المعرفية للقارئ مُغلِّباً ذلك على الجوانب الشكلية من حروف وأصوات وكلمات فالقراءة عمليةٌ استشعاريةٌ، تتحققُ من تفاعل معلومات القارئ السابقة مع توقعاتهِ، ويقودها هدف القارئ إلى المعنى الحقيقي() . ويتمثل نموذج القراءة التفاعلية بعلاقة المفردات المعجمية بفهم المقروء، وتؤكد على أنَّ المراحل العليا من القراءة المُتمثِّلة بالمعنى تؤثر في المراحل الدنيا التي يُمثلها النص كما مرَّ انفاً، فالمعلومات النحوية والدلالية والمعجمية تؤثر في إدراك القارئ لمعنى النص تاثيراً تفاعلياً، فلا يسير المعنى باتجاه واحد وحسب، إذ قد يكون هذا الاتجاه من الأدنى إلى الأعلى أو من الأعلى إلى الأدنى(). وإذ ذاك فإنَّ القراءة وتفسير محتوى النص لا يمثلُ عمليةً ذهنيةً واحدة، ولا تُفَسَّرُ تفسيراً واحداً، إنَّما هي مجموعةٌ من العمليات اللغوية النفسية الخاضعة لتأثير ثقافة القارئ، ومستواه اللغوي، والمهارات القرائية، فضلاً عن التباين في مُستويات النصوص من حيث التأليف والتنظيم والعرض()، فالنص هو المعادل الموضوعي لمُنشئهِ، إذ يرتبط سلوكه اللغوي بوجه خاص فضلاً عن سلوكه العام بمفاهيمه، فلا ينفصل عنها، فالمفاهيم معاني الأفكار لا معاني الألفاظ، واللفظُ كلام يدلُ على معانٍ قد تكون موجودةً في الواقع وقد لا تكون(). وتتضح أبعاد الشخصية من خلال نمط السلوك الثابت نسبياً، والرغبةُ التي يملكها الفرد للاستجابة بثبات في المواقف المختلفة تعطيه شكل هويته الفردية، ويمكن لهذا النمط الثابت في السلوك أن ينبئ بالسلوك في المستقبل، والتغاير في نمط السلوك سيفاجئ المُستقبِل، مِمَّا يُحقِّقُ تغيراً في الشخصية وغالباً لا يتأتّى التغير في الشخصية بصورةٍ فُجائية، إنَّما يستغرق فترةً طويلةً من الوقت()، وتبدّى ذلك في النقلةِ التي ألمَّت بشخصية الزمخشري، من خلال تَبَدُّل مفاهيمه، وبالتالي سلوكهِ الشخصي فكشفت نصوصهُ ومقاصدها في المقامات عن هذا التحوّل الذي استغرق سني تجاربه. وتعرَّفُ الشخصية تبعاً لذلك بأنَّها:(التفاعل المتكامل للخصائص الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية التي تُميز الشخص وتجعل منه نمطاً فريداً في سلوكه ومكوناته النفسية)، فالتفاعل المُتكامل قائمٌ على التأثير المتبادل بين بعض مكونات الشخصية على بعض، وتوجيه سلوك الفرد طبقاً لهذا التأثير المتبادل، كما يدل لفظ التفاعل على خاصية الديناميكية التي تميز الشخصية الإنسانية (). ويتأثر الثبات النسبي، والاتساق في سلوك الشخصية بعدة محددات: المحددات الوراثية. المحددات الثقافية والاجتماعية. التعليم. الاعتبارات الإنسانية الوجودية المتعلقة بكينونة الفرد. الميكانزمات اللاشعورية (أو ما يُسمَّى: بالحيل العقلية الدفاعية لتجنب الألم والتحرر من الصراعات النفسية الداخلية والخارجية)، وتهتم باكتشاف الأسباب الدفينة واللاشعورية للسلوك، وتسمى بنظريات الأعماق، إذ قد تكون اسباباً مُتَرسِّبةً من الطفولة؛ ولأنَّها كامنةٌ في اللاشعور فيمكن أن تخرج الى الشعور بعدة طرائق مُؤثرةٍ في السلوك دون أن يعي الفرد ذلك (). وهو ما تحقق في سلوك الزمخشري فالمغايرة التي ألمَّت بمفاهيمه ومبادئهِ وتحوّل أهدافهِ عن أول عهدهِ، فوجد في العلم سبيلاً للانفصال عن واقع الفقر الذي عاش فيه رغبةً في حظوة السلطان، الذي كان يُقرّب ذوي النجابة والعلم والتوسعة عليهم، مِمَّا جُعل فرضاً على الدولة آنذاك أن تؤدي القربى إليهم ليظلوا دوماً في مأمن من عوارض الزمن، وبدت المحددات الثقافية والاجتماعية في شخصية الزمخشري من خلال نشأتهِ في كنف عائلة فقيرةٍ مغمورةٍ قليلة الحظ في الدنيا على الرغم من تولي الإمامة من قبل والدهِ في مسجد زمخشر، إِلَّا أنَّ الفقر قد تمكّن منه وضيّق عليهِ، وكان لتقوى والدهِ وورعهِ وتقيّدهِ بأحكام الشرع أثرٌ في توازنهِ وتوجهاتهِ ، فاستعان بالتعليم مِمَّا أوجد آمالاً كباراً ومطامع فسيحة المدى، يتأمل مُستقبَلاً ينعم فيه بسلطان ومرتبةٍ عالية(). إِلَّا أنَّهُ لم يوفق حيث حَلَّ وحيث ارتحل فأثَّرت في بناء شخصيتهِ واتساقها، وتظافرت مؤثرات بيئة الفقر والاعتبارات الإنسانية واللاشعورية ومؤثر الفشل في بنية مفاهيمه وبدا ذلك من خلال: سعيه المستميت لقربى السلطان حيث نشأ، ومحاولات الانشقاق عن واقع الفقر التي باءت بالفشل. أسفاره التي ما أثمرت عن واقع كان يبغيه، فمدح السلاطين وما حظي بما كان يبغي . عاهة جسمية أودت بساقهِ، فاستعان بجاون من الخشب في تمام خطواته، ومضى مُسدِلاً ثوبه ليبان أعرجاً لا أبتراً، وقد تكون هذه العاهة هي ما أقعدهُ وأورث عزوفه عن الزواج فضلاً عن عامل الفقر، فتبنّى منطقاً غريباً واصفاً الزواج بالأسر، وهو منطق يوازي الرهبنة التي يرفضها الإسلام، فضلاً عن الخيبة التي يُعانيها الأبوان بفشل أبنائهم في تحقيق ما يتطلعان إليهِ، وإذ يُدلي برأيهِ هذا تُستَشَفُّ إذ ذاك رؤيتان قد تجتمعان، وقد ترجح كفة إحداهما على الأخرى، فأمّا الرؤية الأولى: فهي تجسيده لخيبة والديه- في سِرِّه أو على الأقل بالنسبة له - لإصراره على غايةٍ نهوضاً بواقعهِ وما استطاع . والرؤية الثانية: معاداتهُ لما لا يستطيعه، ولا يَتَمَكَّنَهُ، فقد لا ترغبه النساء لعاهته مثلاً، فمارى عجزه بإعراضه، فسلك منطقاً يُعادي ولا يوائم ما كان مؤمناً به عقائدياً، وقد يكون نابذاً لمنطقه في سِرِّه، فيدرأ عن نفسهِ ما يمكن أن يُقال فيهِ. المحور الثاني :- مقامات الزمخشري وعلم اللغة النفسي:- تمثل مقامات الزمخشري، مآل الزمخشري ومحطته الواعية بعد حثيث السعي، والشاهد اللغوي على ديناميكية شخصيتهِ وتَبَدُّلِ مفاهيمهِ، وقد تكون خلاصةً للعاهات النفسية التي ألمَّت بهِ وزخرت بها حياته، والتي وإن لم يعترف بها إِلَّا إنَّها كامنةٌ في اللاشعور إثر الفقر والكبت والحرمان، فأحدث التغير في شخصيتهِ وسلوكهِ ونمط تفكيره عبر سنوات الخيبة الطوال بتعرضهِ لمَّا اسماه (المرضة الناهكة) أو (المنذرة) التي كانت سبب إنابتهِ وفيئتهِ وتغير حالهِ، فأخذ على نفسه ميثاقاً لله إن مَنَّ عليهِ بالعافية أَلَّا يطأ بأخمصهِ عتبة السلطان وأن يجعلَ مسكنهُ محبساً له، فعمد إلى إنشاء المقامات حتى تمَّمها خمسين مقامة يَعِظُ فيها نفسهُ وينهاها أن تركن إلى ديدنها الأول على سبيل التندُّم والتَّحَسُّر ويلزمها بالاستقامة المُثلى(). وبدا الأداء الإنتاجي أو ما يُسمّى بالنشط أو الفاعل في مقاماتهِ، فضلاً عن الأداء الإستقبالي السلبي من خلال مخاطبتهِ لذاتِهِ فكان (المُثير والمُستجيب)، في الوقت نفسه، فبرز الاتجاه الأول في تواصلية لغته من خلال إزدواجيةٍ شخصيةٍ تَبَدَّت في سلوك المريض المُنهَك الذي نذر للزهد عافيتهُ فتجلت الحِكمة إثر المرض من خلال بَثِّ نصوص المقامات فتمثَّلَ الزمخشري شخصيتين فيها فكان المُرسل الواعظ، والمُستقبِل الموعوظ والمُستفيد الاول ضمن مفهوم التلقي وهو العارف بمضمون الرسالة، وبدا الاتجاه الثاني في المُستقبِل الذي يجهل نصَّ الرسالة ومحتواها وهو المُوعوظ غير الواعظ والمُستفيد الثاني، فكان خطاب النفس واعزاً لأنْ يمتصَّ المُستقبِل ما يملأ ثغراتهِ النفسية من خلال إنتاجيةٍ لغويةٍ تنعم بما يترجم سلوك المعتزل الزاهد العازف عن المناصب ومانحيها بمحتوى صوتي وصيَغي وتركيبي يخدم الغاية ويؤسس لقوة الاكتفاء الذاتي بعد أن كان لسنواتٍ طوال مُتحسِّساً لثغرات اجتماعية ونفسية عبثت بغاياتهِ، وكانت نقلة الاكتفاء بما لديه وبما هو عليه تحولاً عن مكمن الضعف إلى مكمن القوة، فكانت لغة الزمخشري ترجمةً حرفيةً لمِا اعتراه وعاصره في كل سنيّه، وما نحن بصدده قراءةٌ لمقاماتهِ تلك في ضوء علم اللغة النفسي، ونعمد الى نموذج القراءة التفاعلية لنصوص الزمخشري المُخاطِب لِنَفسِهِ في( مقامة الرضوان) ()، فضلاً عن سائر مقاماته مُفتَتِحاً إيَّاها بقوله: "أجلٌ مكتوب، وأملٌ مكذوب وعملٌ خيره يقطر وشرَّه يسيل وما أكثر خطأه وصوابه قليل انت بين امرين لذَّة ساعةٍ بعدها قرعُ السِّن والسقوط قي اليد، ومشقَّة ساعةً يتلوها الرضوان وغبطة الابد " وطيُّ العبارة مبلغان: يعكس الأول باطن الواعظ المُستفيد، ويعكس الثاني استعداد الموعوظ لتلقي الاستفادة، ويتجلى ذلك في تأطير حقيقة الوجود بثنائياتٍ مُتضادة تلتقي في وصفها، أو تولد إحداها عن الأخرى في أحيانٍ، أو في بيان مآل كُلٍ منها، فضلاً عن البنية اللغوية بمحتواها الصوتي والصيغي والتركيبي . إنَّ المقابلة بين ثنائية (الأجل، والأمل)، و(المكتوب، والمكذوب)، و(الخير، والشر)، و (فعل السيل، والتقطير)، و(الخطأ، والصواب)، ومقابلة (لذةِ الساعةِ بمشقَّتِها وما يتولد عنها من قرع السِّن) وهو تعبير يواري الندم والحسرة ويؤسس للخطيئة فالسخط وهو المقابل لمحتوى النص وهو نيل الرضوان بمشقة جهاد النفس وردعها، فتُفضي تلك الثنائيات بمحتوى الواعظ المرسل وتجلو مفاهيمهُ لدى المُستَقبِل الذي تُناطُ بهِ وظيفتان: - إدراك شخصية المُرسل والإحاطة بتوجهاته ومعتقداته ومفاهيمه من خلال النص ودواعيه. -إدراك المُستقبِل لواقعه الشخصي، وأين هو من خريطة النص، والوقوف على مبادئهِ من خلال المفاهيم التي يبثها النص. وبذا يستوقفُنا النص في محطة الإبلاغ وما يُحيط بها من مؤثرات، ومحطة التبليغ وما يستتبعها من مؤثرات اعتداداً بمصطلح: (المُثير والاستجابة) الذي نرتأي أن نُطلق عليهِ التأثير المُزدوج والاستجابة المزدوجة، فيبدو ذلك في مرحلتين:- المرحلة الأولى: المُثير الأول ما استدعى النص من مؤثرات اجتماعية ونفسية وثقافية فكانت سبباً في تشكيلهِ وفق مستويات اللغة الأربعة (الصوت، الصرف، التركيب، الدلالة) ويعمل هذا المُثير على المُستجيب الأول. المُستجيب الأول وهو مُنشئ النص أو الرسالة ومُرسلها تأثراً بكم المؤثرات. والمرحلة الثانية: تتمثل بـــــــ : المُثير الثاني وهو النص أو (الرسالة) على وفق تواصلية اللغة، وما يحمله النص من قيم آخذين بنظر الاعتبار التباين في أبعاد القيم والمبادئ والمفاهيم. المُستجيب الثاني وهو مُستَقبِل النص أو (المُرسل إليهِ) آخذين بنظر الاعتبار ايضاً القدر الذي يمكن أن يُمْتصَّ فيه النص، فيتأثر المُستجيب الثاني بمفاهيم المُستجيب الأول الذي سخَّر اللغة لتوصيف نتائج تجاربهِ، فتنعكس تلك المفاهيم والنتائج في سلوك المُستجيب الثاني في الوسط الاجتماعي بمدىً نسبي. وإذ ذاك لا تكون المؤثرات الاجتماعية والنفسية والثقافية التي تؤثر في إنتاج اللغة حِكراً في تأثيرها على منشئ النص إنَّما تعمل تلك المؤثرات على مدى أبعد من ذلك ، فتخترق وحدات الزمن لتعمل في المتلقي أو (المُستجيب الثاني) وهو مستجيب مُتعدد على العكس من (المُستجيب الأول) الذي ينفرد بإنشاء النص فيعمدُ الى استحضار طاقاته اللغوية غايةً في ترجمة تلك المؤثرات، وأولى تلك الطاقات المحتوى أو المستوى الصوتي المتمثل بسمت الأصوات المنتقاة ضمن الفاظ معينة دون غيرها قد تؤدي نفس الدلالة وسمتها آن اجتماعها، فضلاً عن الطابع الموسيقي الذي تُضفيهِ المقاطع الصوتية بتكرارها وتشابهها أو تغايرها . وبدا التطابق المقطعي في لفظتي (أجلٌ) و(أملٌ)، فتلتقيان في عدد المقاطع الصوتية فضلاً عن نوعها، فتوالى المقاطع القصيرة لتنتهي بالمقطع المتوسط المغلق، كما يتحقق التطابق في لفظتي (مكتوبٌ) و(مكذوبٌ)، إذ تقعان في ثلاثة مقاطع يتصدَّر المتوسط المغلق مستهلها ويُختم بها ويتوسطها المتوسط المفتوح. وإذ يجلو معنى النص دلالة المقطع الصوتي أو يسهم بترددهِ ومداه في الكشف عن الدلالةِ عذبٌ يصبُّ في معين واحد، فطول النفس في نطق المقطع الصوتي أو مداه المقتضب يسهم في تحقيق الغاية من النص، ومعلومٌ أنَّ: (الأصوات اللغوية تتأثر بعضها ببعض في المتصل من الكلام، فحين ينطق المرء نطقاً طبيعياً لا تكلُّفَ فيه يمكن أن يؤثر بعض أصوات الكلمة في بعض، كما يمكن أن تؤثر أصوات كلمةٍ في أصواتِ كلمةٍ أخرى أيضاً) (). وإذ ذاك فإنَّ تضافر صوتي الجيم المركب المجهور في لفظة(أجلٌ) وصوت اللام المجهور يستقيمان بعد تحقق الهمز وصوت الميم في (مكتوبٌ)، إِلَّا أَنَّ جريان النفس وضعف الاعتماد في صوتي الكاف والتاء المهموسين يُحدث تبايناً في مستوى الصوت، ليقوى الاعتماد في صوتي الواو والباء وعلى النحو أدناه: (طول السهم مُناطٌ بقوة الصوت إشارةً الى الاحتباس التام للهواء وحركة الاوتار الصوتية) أ جَ لٌ مَ وْ بٌ ْ ك تُ ص ح . ص ح. ص ح ص. ص ح ص ص ح ح ص ح ص ويؤذن هذا الاستتباع النوعي بفحوى المعنى الذي ابتغاه الزمخشري ويُستدل لذلك بأوفى من أحاط بهذا الجانب وأَلمَّ بهِ في بابين من خصائصهِ وهو ابن جني، فعنون لأحدهما: (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني) وعنون الثاني بـ (إمساس الألفاظ أشباه المعاني)، مُتعَرِّضاً فيهما الى ما يمكن أن يحمله الصوت العربي من قيم دلالية يستطيع السامع أن يستّشِفَّ المعنى آن نَطقها، لما يحمله الصوت من خصائص تعمل في إظهار المعنى().المراجع
التنزيلات
منشور
2025-07-31
إصدار
القسم
Articles


