تأثير الصّحافة في بنية القصيدة العربيّة الحديثة
الكلمات المفتاحية:
لافتات – الخبر الصّحفي – أحمد مطر – الخطاب الإحاليالملخص
تهدف هذه الدّراسة إلى الوقوف على مدى تأثّر تجربة أحمد مطر الشّعريّة بالكتابة الصّحفيّة. وتهتمّ أساسا بدراسة خصائص البنية في مجموعته الشّعريّة الموسومة بــ" لافتات1". وتتّخذ المقاربة الوصفيّة التّحليليّة والإحصاء منهجا في القراءة. ولمّا كانت" اللاّفتة" بنية شعريّة و"الخبر" شكلا صحفيّا، وهما الثّنائيّة المصطلحيّة التي يدور عليها العمل، كان من الضّروري ضبط المصطلحين قبل تفصيل القول في تجربة مطر الصّحفيّة، وقبل البحث في العلامات النّصيّة التي تؤكّد أنّ "اللافتة" قد تشرّبت الخصائص البنائيّة للخبر الصُّحفيّ. وقد توصّلت الدّراسة إلى جملة من النّتائج. لعلّ أهمّها يتلخّص في ظاهرتين بارزتين: الأولى أنّ النّصّ الشّعريّ في ديوان" لافتات1" قد انفتح بالجمل الفعليّة السّرديّة الدّالة على الحدث، ولاذ بالهرم المقلوب الذي يقدّم المعلومة الأهمّ على المعلومة المهمّة، وآثر الإيجاز على البسط والوضوح على الغموض. وهذه الخصائص جميعها من سمات الخبر الصّحفيّ. والثّانية أنّ القصيدة، وإن تشبّهت في بنائها بالخبر الصّحفيّ خطابا قدره الفناء والزّوال، فقد حافظت على المقوّمات التي بها يكون الشّعر خطابا يهفو إلى الخلود والبقاء ما استطاع إلى ذلك سبيلا. مقدّمة يبدو للمطّلع على مدوّنة الشّعر العربيّ الحديث أنّ الإحالة على عالم الإعلام والصّحافة قد مثّلت ظاهرة فنيّة وسمت عددا غير قليل من التّجارب مبنى ومعنى. فإذا نظرنا إلى علامات التّنافذ وآيات التّعالق بين الخطابين الشّعريّ والصّحفيّ من زاوية المضامين الشّعريّة، ألفينا بعض الشّعراء قد اتّخذوا عالم الصّحافة سبيلا للتّغزل ومزدلفا للتّعبير عن معاني الالتزام ومطيّة لهجاء المؤسّسة الإعلاميّة وخاصّة في أشعار أحمد مطر ونزار قبّاني ومحمود درويش. وأمّا إذا نظرنا إلى هذه الظّاهرة من حيث خصائصها الفنيّة بدا لنا بيّنا تأثّر الخطاب الشّعريّ في معجمه وبنيته ببناء بعض الأشكال الصّحفيّة ولا سيما بالخبر الصّحفيّ تأثّرا تنبّه إليه بعض الدّارسين ولم يتوقّفوا عنده طويلا. ونروم في هذا العمل أن نقف على طبيعة هذا الأثر من خلال تجربة الشّاعر العراقيّ أحمد مطر في ديوانه "لافتات1". ولتقصّي تأثير الكتابة الصّحفيّة في بنية القصيدة عند أحمد مطر توسّلنا بالمقاربة الإنشائيّة للإجابة عن الأسئلة التّالية: إلى أيّ مدى أثّرت تجربة الشّاعر الصّحفيّة في بنية قصيدته؟ وما هو الشّكل الصّحفيّ الذي كان له الأثر البيّن في تشكيل قصيدته على منهاج قريب من بنية الخبر؟ وهل استطاع الشّعر وهو يلبس لبوس الصّحافة أن يحافظ على ما به يكون الشّعر شعرا؟ وعلى هدي هذه التّساؤلات، جعلنا عملنا بعد التّعريف بالشّاعر وبيان علاقته بعالم الكتابة الصّحفية ثلاثة مباحث. أمّا المبحث الأوّل فجعلناه مداخل مفهوميّة تعريفيّة لضبط الجهاز المصطلحيّ ولرصد علاقة الشّاعر بعالم الصحافة. واهتممنا أساسا بمصطلحيْ اللاّفتة والخبر الصّحفيّ. وأمّا المبحث الثّاني فتدبّرنا فيه أوجه الائتلاف بين بنية اللاّفتة وبنية الخبر الصّحفيّ. وأمّا المبحث الأخير فقد حاولنا فيه أن نقف على شعريّة اللاّفتة في علاقتها بالكتابة الصّحفيّة. حظّ الموضوع من الدّراسة ممّا دعانا إلى الاهتمام بهذا الموضوع أنّ أكثر الدّراسات التي انصرفت في العقدين الأخيرين إلى دراسة العلاقة بين الخطابين الأدبيّ والإعلاميّ التفتت إلى الرّواية أكثر ما التفتت إلى الشّعر [1]. فأكثر ما يظفر به الباحث في المباحث الشعريّة عن أحمد مطر أو غيره من الشّعراء إشارات قليلة ترد في مقالات محدودة العدد. ويعدّ مقال فريال جبوري غزول " شعريّة الخبر " من أهم الأعمال التي توقّفت عند بعض الإشكاليات التي يطرحها استرفاد النصّ الشّعري لخصائص الخبر الصّحفي. وممّا نبهت إليه في قراءتها لديوان محمّد صالح" صيد الفراشات " (1996) أنّ جمالية هذا الأثر تتكثّف في ما أطلقت عليه " قصيدة الخبر". وذلك أنّ الديوان على حدّ قولها " يتّخذ النّبأ مادّة خاما يضفي عليها شعريته الخاصة" [2]. وممّا وورد في تعليقها على غلاف الدّيوان قولها "فقد طغى الاتّصال الجماهيري الشّفوي والمرئي بشكل سرطاني قضى على الهامش الأدبي أو كاد، وجعل من التّجويد اللّغوي فناّ منقرضا أو مقتصرا على نخبة. ومن هنا، أرى إسهام محمد صالح في ديوانه الأخير حيث يقتحم مسيرة الموجة الإخباريّة ليطوّعها لصالح الفنّ. واعتقد أنّ الفنّان محي الدّين اللّباد الذي أشرف على إخراج الدّيوان وصمّم الغلاف قد التقط خاصيّة الدّيوان، فاستخرج للغلاف -منطلقا من عنوانه-جناحيْ فراشة بجسد آدميّ يحمل في كفّه اليمنى صحيفة يومية وفي يده اليسرى صندوقا معلّقا، وكأنه يشير بهذا الرمز التّمثيلي إلى الصّحافة المعلنة من جهة وأسرار الشّعر المغلقة من جهة أخرى " [3]. ولم نجد من خصّص بحثا مفردا لدراسة هذه المسألة في شعر أحمد مطر. فإذا نظرنا في الأعمال التي انشغلت بقضية البنية في هذه التّجربة، جاز لنا أن نصنّفها صنفين: صنف نظر أصحابه إلى "لافتات" الشّاعر باعتبارها ضربا من ضروب فنّ" الإيبجرام " [4]، (اختلف الدّارسون في تعريب المقابل الأنجليزي لكلمة" Epigram " وفي كتابته" الإيبجرام، الإبيجراما...)، وصنف أدرك ما بين الخطابين الشّعريّ والصّحفيّ في هذه التّجربة من أنساب وأسباب، ولكنّه لم يذهب في تقصّي تلك الأواصر مذهبا بعيدا. أمّا إذا نظرنا إلى الأعمال التي انصرفت فيها الهمّة إلى بحث العلاقة بين بنية الخبر الصّحفي وبنية اللاّفتة، فلن نجد أكثر من كلمات عابرة تومئ إلى الظّواهر، ولا تشفى غليل من يودّ تبيّن أثر الصّحافة في بنى النّص الشّعريّ ومضامينه، أو من يودّ الوقوف على طبيعة الأثر الذي تركته رسوم ناجي العلّي الكاريكاتوريّة في الصّحافة على بنية اللاّفتة وخصائصها. ويعدّ كمال أحمد غنيم من الدّارسين الذين نبّهوا إلى تأثير الصّحافة في تجربة أحمد مطر، وإن كان ما قاله في هذا الموضوع لم يتعدّ الملاحظات العامة. فهو وإن خصّ الشّاعر ببحث مستقل فإنّه اكتفى بملاحظات عامة حول تأثير الصّحافة في قصيدة "اللافتة "، كقوله: "يعتمد الشّاعر أسلوب الخبر في بعض القصائد، إذ تقترب صياغة القصيدة من أسلوب صياغة الخبر الصّحفي، لكن روح الشاعر تظل ملقية ظلالها على القصيدة حيث ينبثق الخبر ممتزجا بروح المفارقة والسّخرية المريرة "[5]، أو كقوله: "وقد ساهم في تشكيل ثقافته ولعه بالنّصوص المسرحيّة والتّمثيل المسرحي، واشتغاله في الصّحافة، وممارسته لكتابة القصّة القصيرة، التي تظهر شروطها قائمة في العديد من قصائده، بالإضافة إلى ممارسته لرسم الكاريكاتير، الذي مارسه من خلال عمله في الصّحافة، ثم تركه فترة من الزّمن، ليختبئ في أعماقه، ويضع بصماته على قصائده، "[6]. ولعلّ خير ما نختم به هذا التّمثيل لحظ الموضوع من الدّراسات السابقة اعتراف الشّاعر بما للصّحافة من تأثير في تشكيل تجربته الشّعريّة لمّا قال: "كان لاشتغالي في الصّحافة أثر واضح على بنية القصيدة لديّ" [7].المراجع
التنزيلات
منشور
2025-07-31
إصدار
القسم
Articles


