انزياح الاستعارة في شعر العميان في العصر العباسي
الكلمات المفتاحية:
الصور البيانية، الاستعارة، السمات الأسلوبية، مفهوم الانزياحالملخص
يتناول البحث تحليل انزياح الاستعارة في شعر العميان خلال العصر العباسي، ويسلط الضوء على قدرتهم الإبداعية في تشكيل الصور البيانية التي تعبّر عن تجاربهم الفردية والاجتماعية. يكشف عن مهارتهم في اختيار الألفاظ المؤثرة ورسم الصور التي تنوعت بين التقليد والتجديد، حيث اعتمدت أحيانًا على مزج الدلالات والصور السابقة لإنتاج صور مبتكرة. ويبرز البحث أهمية الاستعارة بوصفها إحدى السمات الأسلوبية المعتمدة على مفهوم الانزياح، حيث تمثل أداة رئيسية في تحقيق علاقات جديدة وغير مألوفة بين الكلمات، مما يمنح النصوص الأدبية أبعادًا جمالية وإيحائية عميقة.كما يتناول البحث أقسام الاستعارة من تصريحية ومكنية، مبرزًا كيفية استخدامها في شعر العميان لإضفاء حيوية على الجمادات وتجسيد المعاني المجردة بما يتلاءم مع انفعالاتهم وأحاسيسهم. ويؤكد البحث على حاجة الصور الاستعارية إلى شاعر مبدع وخيال خصب، بالإضافة إلى متلقٍ يمتلك حسًا نقديًا قادرًا على استكشاف الطبقات الدلالية المخفية. يعرض البحث نماذج شعرية مختارة لشعراء عباسيين عميان مثل أبي العلاء المعري وبشار بن برد وغيرهم، موضحًا كيف أبدع هؤلاء الشعراء في توظيف الاستعارة لتحقيق أثر نفسي وجمالي على المتلقي. ومن خلال تحليل النصوص، يبرز البحث دور الاستعارة في بناء النصوص الشعرية وجعلها وسيلة فعالة للتواصل الجمالي والإبداعي، مما يعكس عمق التجربة الإنسانية للشاعر وارتباطها بالسياق الاجتماعي والنفسي المحيط به. أولا: مفهوم الاستعارة: تعدّ الاستعارة من أهم معالم الأسلوبيّة التي تستند إلى نظام الانزياح؛ إذ «إنّها تقوم على تحقيق علاقات تجاوريّةٍ جديدةٍ للإسناد المألوف بين المفردات». فهي قائمة على مبدأ التّشابه, فالعلاقة بين الموصوف وصورته هي التّشابه, غير أنّ تشابه التحام؛ لأنّه يُفضي إلى فناء أحد الطّرفين في الآخر. وتمثّل الاستعارة عماد هذا النّوع من الانزياح؛ نظراً لأهميتها, ولما لها من مهام وفوائد كثيرة فقد تعرّض لها اللّغويّون القدامى, والدّارسون المحدثون. فأبو هلال العسكري يقدّم طبيعة البناء الأدبي الشّعريّ عن طريق الاستعارة؛ إذ يرى أنّ الاستعارة لغة متميّزة عن اللغة الطبيعية, فيقول: «ولولا أنّ الاستعارة المصيبة تتضمّن ما لا تتضمنه الحقيقة من زيادة فائدة لكانت الحقيقة أولى منها استعمالاً». وهذه الزيادة تكون بين عبارتين معناهما الأول أو المجرّد واحد, ووظائف الاستعارة عنده أربع, هي: شرح المعنى, وفضل الإبانة عنه. تأكيده والمبالغة فيه. الإشارة إليه بقليل من اللّفظ حسن المعروض الذي يبرز فيه. وتتفق الدّراسات الأسلوبية الحديثة مع ما ذكره العسكري في المبدأ الذي قال به, وهو: ميل اللّغة العادية إلى الخفّة واليسر والاستغناء عن كلّ ما لا يضيف شيئاً إلى الخطاب. أمّا اللغة الأدبيّة فهي مخالقة للقانون المذكور, فهي متميّزة عن اللّغة الطّبيعيّة. وقد ميّز العسكري بين المعنى الأصل, المدعو غرضاً؛ وهو فحوى الخطاب, وبين المعنى الإضافي الذي أعاده إلى "الشّرح", و"التأكيد" و"الحسن" فهذه المعاني إضافيّة تضاف إلى الوظيفة التّواصليّة التي تتحوّل في الخطاب الأدبيّ إلى مستوى ثان أو تأخذ طبيعة مخالفة على الأقل. وتبرز الوظيفة الرّابعة كأنّها نتيجة الوظائف الثّلاث الأولى تقويم لها, وأدخل الوظائف في مجال الأدبيّة الثّانية والثّالثة, فغرض الاستعارة عادة هو المبالغة والتّلميح الذي يُغني عن التّصريح. إنّ العلاقة بين خرق الاستعارة لمعيار "الحقيقة"؛ إذ لا بدّ لكل استعارة من حقيقة, هي أصل الدّلالة على المعنى في اللّغة, وبين الأثر النّفسيّ النّاتج عن هذا الخرق, ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ومَا يَمْلِكُون مِن قَطْمِير﴾ التي هي أبلغ من قوله: "ما يملكون شيئاً", وذلك أنّ «فضل الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنّها تفعل في نفس السّامع ما لا تفعله الحقيقة». 1.الاستعارة لغةً: أُخذت الاستعارة من «العارية منسوبة إلى العارة, وهو اسم من الإعارة, تقول: أَعَرْتَه الشيءَ, أُعيرهُ إعارةً وعارةً [...] و يقال: استعرتُ منه عاريةً فأعارنيها [...] واستعاره ثوباً فأعاره إياه», فهي طلب الشّيء. وهذه هي الدّلالة اللّغويّة. 2. الاستعارة اصطلاحاً: أمّا الدّلالة الاصطلاحيّة, فهي «نقل العبارة عن موضع استعمالها في أصل اللّغة إلى غيره لغرض». والاستعارة في الجملة أن يكون لفظ الأصل؛ أي المشبّه به في الوضع اللّغوي معروفاً في معنى بعينه, تدلّ الشّواهد على أنّه اختصّ به حين وُضِعَ, ثم يستعمله الشّاعر أو غير الشّاعر في غير ذلك الأصل, وينقله إليه نقلاً غير لازم فيكون هناك كالعارية. وتقوم الاستعارة على ثلاثة أركان: أولاً: المستعار له: وهو اللّفظ الذي يستعار من أجله الكلمة أو الصّفة, أو المعنى. ثانياً: المستعار منه: وهو اللّفظ الذي تستعار منه الكلمة أو الصّفة, أو المعنى. ثالثاً: المستعار: وهو المعنى الجامع بين طرفي الاستعارة. ثانياً: أقسام الاستعارة. تعدّ الاستعارة من الأساليب البيانيّة المبنيّة على علاقة المشابهة. وتفترق عن التّشبيه بحذف أحد طرفي التّشبيه؛ أي المشبّه أو المشبّه به لغرضٍ بلاغيٍّ يهدف إليه المبدع. وهي نوعان: الاستعارة التّصريحيّة والاستعارة المكنيّة. أمّا الاستعارة التّصريحيّة, فهي الاستعارة المبنية على حذف المستعار له «المشبّه», وذكر المستعار منه «المشبّه به» أمّا الاستعارة المكنية, فهي المبنية على ذكر المستعار له «المشبّه», وحذف المستعار منه «المشبّه به» مع ذكر شيء من لوازمه. ويُسنَد هذا اللازم إلى المشبّه؛ ولهذا سُميّت الاستعارة المكنية أو استعارة بالكناية؛ لأنّ المشبّه به يُحذف, ويُكنّى عنه بلازم من لوازمه, وإثبات لازم المشبّه به للمشبّه هو ما يُسمّى بالاستعارة التّخيلية, وهي قرينة المكنية. وقد استعان الشّعراء بالاستعارة بوصفها من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها, ونزلت موضعها ثالثاً: انزياح أسلوب الاستعارة في شعر العميان: تعدّ العملية الاستعاريّة «عملية خياليّة في المقام الأوّل» تقوم على خرق المألوف في العلاقات اللّغويّة, وصهرها في كيانٍ واحدٍ, وتعمل على استثارة المتلقّي, وتحفيز عقله ليهمل البنية السّطحيّة من المعنى وينتقل إلى البنية العميقة التي يمكن الوصول إليها عبر عدد من القراءات المنتجة لأبعادها الإيحائيّة. مما يتيح للشّاعر الحرية في تكوين صوره كيفما يرى, فيلجأ للتّشخيص, ويبثّ الحياة في الجمادات, وللتّجسيم والتّجسيد للمعنويات بما يتناسب مع حالته الوجدانيّة, وانفعالاته العاطفيّة. وتتطلّب الصّور الاستعاريّة شاعراً مبدعاً ذا خيالٍ واسع, وإحساس عميق, كما تؤثر متلقيّاً ذا مستوى ثقافيٍّ وفنيٍّ رفيعٍ قادر على تحسس مواطن الجمال, والغوص في عمق هذه الصّور للوصول إلى الدّلالات التي خبّأها الشّاعر تحت طبقات التراكيب الاستعاريّة. لقد تشكّلت الصّور الاستعاريّة في شعر الشّعراء العميان من نسجٍ لغويّة وخياليّة وجماليّة تتجسد فيها نظرة كلّ شاعرٍ منهم إلى ما جوله, وتعكس وجوده الاجتماعيّ والنّفسيّ الذي يحيط به, وبما يتوافق مع إرادته ورغبته في نقل تفاصيل الصّورة, والحرص على تأثيرها في المتلقّي, وتحفيزه على التّفاعل معها. وفيما يأتي دراسة نماذج من الصّور الاستعارية التي رسمها الشّعراء العميان في أشعارهم, والتي لعبت دوراً بارزاً في نقل المعاني الشّعريّة التي يريدها هؤلاء, ومن أمثلة ذلك يقول أبو العلاء المعري في قصيدة شهيرة وُصِفت بأنّها من أهمّ القصائد التي قيلت بغرض الرّثاء: يستوي عند شيخ المعرّة البكاء والغناء, وإن اختلفت دوافع ذاك وذاك, ومظاهرهما, بيد أنّهما في الحقيقة صوت, مصدرهما واحد, ولكنّ تفسيرات النّفوس واعتباراتها هي التي تجعل النّاس يتخيّلون تباينهما, وتدفع إلى الرّغبة في هذا دون ذاك. أمّا أبو العلاء المعرّي, فلا ينطلي عليه ذلك التّخييل, ولا يُجدي في معتقده هذا التّفريق ما دامت نقطة البدء واحدة, والنّهاية أيضاً واحدة. إن التّعبير "أبكت الحمامة أو غنّت" استعارة مكنية استعار الشّاعر فيها شيئاً من لوازم الإنسان, وأعارها للحمامة. والشّاعر لا يهتمّ بالمعنى الحقيقي للتّعبير بل هو يسعى إلى تقديم دلالة أخرى, ويترك للقارئ المتلقّي حرية إنتاج هذه الدّلالة التي قد تكون "مصير الإنسان في فنائه آتٍ لا محالة", وبالتّالي أيامه كلّها في حزنه وألمه, أو فرحه وسعده سواء لا جدوى منها. ومن استعارات الشّاعر قوله: وهنا يُسند الشّاعر فعل "الضّحك" إلى اللّحد, وفي هذا انزياح من نوع الاستعارة المكنيّة؛ إذ حذف المستعار منه مع إبقاء شيء من لوازمه, وهو هنا الإنسان. وقد بنى انزياحه هنا على العدول من المعنى الحقيقي إلى معنى مجازي أراده الشّاعر. في البيت الثّاني يقول الشّاعر "أفكاره شِدْنَ", فالأفكار لا تشيد, فالذي يشيد هو الإنسان, وفي هذا انزياح من نوع الاستعارة المكنية. ويُلحظ غلبة الاستعارات المكنية على التّصريحيّة. ومن الشّعراء القديرين على التّوليد والتّحوير الشّاعر العكوك, فكثير من معانيه الطّريفة لم يكن فيها حامل لواء السّبق, وإنّما سلك سبيل التّوليد والتّصرّف, فجاءت صوراً تتّسم بصيغته, وتتشح بو شاحه, يقول مادحاً الطّوسي: وفي التّركيب الإضافي "ركن الأرض" بيانٌ جميلٌ, وتشخيصُ رائعٌ, وكأنّه تخيّل الأرض بناءً شامخاً لا يرسو على ثبات إلّا بجهد ممدوحه, فهو الذي يثبّت الأركان والقواعد. إنّها كلمة لا تنمّ عن تشبيه دقيق يقتضي تفكّراً ونظراً, ولكنها استعارة فخمة أحلّت الممدوح مكانةً عظيمة, فهو ركن الأرض وعمادها, ولولاه لانهدّت الأرض , واضطربت, وتضعضعت نواحيها. وتكتمل الصّورة التي صنعها بالشّطر الثّاني حين يجعل الممدوح قطباً مهيمناً, كأنّما تدور عليه حركة أمرٍ من أمور الكون, إنّه يُسيّر شؤون الملك, ويقوم بأعبائه في نظام ومراقبة تامين. ويأتي التّقابل مناسباً مقبولاً بين الرّسو والثّبات, والحركة والدّوران. وهذه صورة جميلة وإن كانت بالأصل مستمدّة من غيرها, فهو يجعل ممدوحه شبيه الجبل الذي ترسو به الأرض, وتدعم بنقله وثباته, وهو تشبيه قريب, كما أنّ الرّحى قد شُبِّهَت بها أمور, كالحرب وغيرها في صور سابقة, ولكن العكوك لم يعرض صورة ممدوحه بهذه التّشابيه المعهودة, وإنّما حذف وأضاف, وتناسى واختار فجاءت صورته على الرغم من إيجازها جميلة وطريفة. وممّا يقول في رثاء حميد الطوسي: وقوله "هوى جبل الدنيا" استعارة تصريحية, ذكر المستعار له «المشبّه», وحذف المستعار منه «المشبّه به» مع ذكر شيء من لوازمه ومن الاستعارات المكنيّة التي قدّمها قوله: ويعتمد الشّاعر هنا على المبالغة فيقول في ممدوحه أنّه مجرد أن ينظر نظرة واحدة, فإنّ الأرزاق والآجال توزع على النّاس. ومن النماذج في الاستعارة المكنية عند العكوك أيضاً: وهنا جعل العكوك الكرم مادّة, لها مسطحها الملموس, وهي مختلفة الملامس فيجعل لها في كفّ الممدوح صفة اللّيونة والانسياب إشارةً إلى سعة البذل والعطاء. أمّا في كفّ غيره, فهي على النّقيض من ذلك إشارة إلى البخل والإمساك. وفي ذلك تجسيم قريب لمعنى الجود تخيّله ذهن الشّاعر عن طريق الاستعارة المكنيّة فشبّه الجود بما يُلمَس أو يُمسَك عادّةً بالكفّ, وحذف المشبّه به, وأبقى ما يشير إليه. ويشبه الآتي الاتي ما سبق ذكره, وهو أيضاً للعكوك: ويقصد بهذا البيت أنّ الممدوح كريم يفيض جوداً وعطاءً, ولو واتت الناس محمدة أن يلمسوا بأياديهم يديه, لانتُزعت منهم صفة البخل والشّحّ, وعادوا كلّهم كرماء أجواداً. ومن الصّور الاستعاريّة التي تستثير الوجدان, وتحرّك العواطف نسمات الهواء العليل التي تحمل للمحبوب ما في نفس الشّاعر من هوى وحرقة على الفراق, ولوعة واشتياق, يقول الحصري: وبالتّعبير "قبلتك الريح عني وبلغت" انزياح استبدالي من نوع الاستعارة المكنية. ومن استعارات بشّار: والاستعارة في الشّطر الثّاني؛ إذ جعل للسحر القوي مخالب, وهي هنا استعارة مكنية فيها مبالغة شعريّة يراد من خلالها تشبيه هذا السّحر بالحيوان المفترس ذي المخالب, وربما التفت الشّاعر إلى البيت الجاهلي الذي ذكره السكاكي , حينما نسب الشاعر للمنية أظفار. ومن استعاراته أيضاً: وهنا الشّاعر قد جسّم القوافي, فأعطاها فحيح, كفحيح الأفعى عند تفرقتها بين كلاب الحي وبين الأسد المغير أو الذّئب الغريب. لقد جعل بشّار نصوصه ثرية بالصّور الاستعاريّة قاصداً أن يخلق أشعاراً متناسقة ومترابطة, راغباً في أن يُدْخِلَ القارئ في عالمٍ من الخيال والإثارة. ومن الملحوظ أنّ الشّاعر لم يستعين بالمنمّق من المفردات, بل اختار ألفاظاً بسيطةً قريبةً إلى ذهن القارئ, وتحمل دلالات غنيّة وموحيّة. كما يقول بشّار: فالهوى عند الشّاعر بحر عميق يُبحر فيه العاشقون يغوصون في أعماقه, أو يسبحون على وجهه الفسيح الشّاسع, وهو من نوع الاستعارة المكنيّة التي انزاحت من المعنى الحقيقي الأصيل في اللّغة إلى معنى آخر يريده الشّاعر. فالغرق من لوازم البحر ونحوه, كأنّه رشّح استعارته تلك بالسّباحة في آخر البيت. ومن النماذج قول الأعمى التطيلي: ويعني بالهجمة هنا القطيع, والبزل جمع, مفرده بازل, وهو البعير الذي أنهى الثّامنة من عمره, دخل في التّاسعة. وفي قول الشّاعر "قهقه الرّعد" نقل رائع لصوت الرّعد بناه الشّاعر على استعارة مكنيّة شخّصت هذا الصّوت حين اسند له "قهقهة الرّجال" ثمّ على تشبيه, فشبّه ذلك بهدير الفحول من الإبل, واختياره للقهقهة, وهي قوّة الضّحك مع تلاحقه استعارة موفقة لضربات الرّعد الصّوتيّة المتلاحقة حتّى إنّ قلقلة حرف القاف في هذه الكلمة مما يضيف جرساً يساعد على إبراز صوت الرّعد الرّهيب القوي, وهو لقوّته كأنما يصدر من كلّ جانب, بينما مصدره حقيقةً من جهات محدودة, وكذلك يشير الفعل "هدر" على التّلاحق والقوّة, واختياره أيضاً للّفظ "الفُنُق" ويعني الفحول القوية دون غيرها من أسماء الإبل الكثيرة, كلّ ذلك مما هيّأ نقل صورة صوتيّة طريفة للرّعد في كلمات قليلة. وللعكوك صورة شبيهة عندما قال: فعجز البيت الثّاني من قصيدة العكوك هو نفسه صدر البيت الأوّل من شعر التطيلي, وجمال هذا البيت يأتي من التّقابل بين الصّورة الاستعارية التي هي من نوع المكنية وبين قهقهة الرّعد. ولعكوك صورة استعاريّة أخرى شبيهة بما سبق, عندما قال: وقد وردت الصّورة الاستعاريّة في قوله: "وعدَ الأرضَ أن ترغدا". فهطول الأمطار الشّديدة على الصّخور يُحدث صوتاً متوالياً أقرب ما يكون في سمع العكوك إلى النّداءات المختلطة السّريعة. وقد جعل الشّاعر في البيت الأوّل أصوات الرّعد وما شابهها من بوادر الغيث وعداً برغد الأرض ونعيمها. ويُلحظ هنا أنّ الشّاعر الأعمى قد استثمر حاسته السّمعيّة في توليد هذه الصّور البيانيّة والمجسّدات, وقد أجاد في ذلك وأحسن. ومن القصائد المؤثّرة قصيدة قالها الشّاعر الحصري يرثي فيها القيروان التي أصابتها نكبة ما, بيد أنّ من يقرأ أبيات القصيدة يلحظ أنّ الشّاعر يبكي فيها نفسه, ويرثيها, يقول: لقد أنهك الحزن الشّاعر, وخيّم القلق والتأمّل في أبياته, وهو في سائر مرثيته تلك لم يستعمل إلّا ضمير المتكلّم. وأمّا الصّور البيانية التي يستعملها في قصيدته, فهي قوله: "ماذا على الرّيح لو أهدت تحيتها, وهي هنا استعارة مكنية انزاح فيها المعنى من الحقيقي إلى المجازي, فالرّيح لا تهدي, بل الإنسان. وهنا أسند الشّاعر فعل الإهداء إلى الرّيح, وهو فعل إنساني. كذلك الأمر في قوله: " بكتني الأرض والسّماواتُ". بحسب إرهاصات الحدث الذي تفاعل معه أنتجه و هو ظاهرة مهمة لا تقتصر على النواحي الأدبية و الحوار التعبير عن كل ما في النفس بطرق مختلفة و بما يلائم مقتضى الحال و تتعدد الأساليب في اختيار نوع الاستعارة في جميع صوره و أشكاله تبعا للجنس الأدبي الذي يتضمنه نوع الاستعارة. الخاتمة: يلاحظ مما سبق بأن الاستعارة تأخذ مساحة واسعة في قصائد شعراء العميان ولا تقل أهميتها عن التشبيه فهي أهم سمات الأسلوب القائم على نظام الإزاحة حيث يقوم على تحقيق تجاور جديد لخصائص مألوفة بين الكلمات)، وتكون أشبه بمضمن الجروح حين التعامل مع أحرف وعبارة النص وهي روح الانزياح, والدعامة الأساسية لهذه الإزاحة. ونظراً لأهميتها، وبسبب مهامها وفوائدها العديدة، فقد تمت دراستها من قبل علماء اللغة القدامى والباحثين المعاصرين. الهوامش:المراجع
التنزيلات
منشور
2025-07-31
إصدار
القسم
Articles


