النشاط الاقتصادي ليهود اليمن في عهد يحيى حميد الدين

المؤلفون

  • ستار حامد عبدالله العماري جامعة بابل – كلية التربية للعلوم الإنسانية

الكلمات المفتاحية:

اليمن – يحيى حميد الدين- اقتصاد- اليهود

الملخص

كان اليهود يسكنون في مختلف أرجاء اليمن ريفا وحضرا، وإن كان تمركزهم في المدن أكثر لطبيعة حياتهم المهنية، وقد كان اليهود في اليمن مثل بقية مناطق العالم يميلون إلى السكنى في أحياء خاصة بهم تحمل أسماءهم، ففي مدينة صنعاء مثلا، حُدد لهم حي مستديم عرف بقاع اليهود الواقع في الغرب من المدينة، والمنقسم إلى 20 حارة، يحوي ما يقرب من 10 آلاف نفس تقريبا، وفي مدينة عدن الصغيرة تقاسم اليهود السكنى مع السكان المحليين المسلمين، بل إن عددهم في بعض الفترات قد فاق عدد المسلمين وبخاصة بعد احتلال بريطانيا للمدينة عام 1839م، كما لم يختلف الأمر في عدن عن صنعاء من حيث انزواء اليهود في أحياء خاصة بهم، وهو ما ساد مختلف التجمعات السكانية اليهودية في مختلف مدن اليمن وقراها، الأمر الذي وفر لهم الحماية خلال فترات الفوضى والاضطرابات، إذ كان الاعتداء عليهم وهم ليسوا طرفا في النزاع يعتبر عملا ممقوتا اجتماعيا. وقد اشتغل اليهود في اليمن بالمهن الحرفية والأنشطة اليدوية مستغلين عزوف فئات المجتمع اليمني عن العمل بها فكان أن سيطر اليهود على مقدرات الحياة الاقتصادية بمجمل تفاصيلها، ولم يعد للفرد اليمني وصولا لصانع القرار الرئيسي من قدرة على الاستغناء عن مختلف الخدمات التي يقدمها الفرد اليهودي المحتكر لصناعة الحلي، وصناعة الأسلحة التقليدية (الخناجر والسيوف)، وكل ما هو متعلق بها، والصناعات الجلدية، وأعمال النجارة والزخرفة، وأعمال الحياكة والتطريز، وأعمال البناء، وغيرها من الحرف اليدوية. المقـدمــة انتشر اليهود في مختلف أرجاء اليمن ريفا وحضرا، وإن كان تمركزهم في المدن أكثر لطبيعة حياتهم المهنية، وقد كان اليهود في اليمن مثل بقية مناطق العالم يميلون إلى السكنى في أحياء خاصة بهم تحمل أسماءهم، ففي مدينة صنعاء مثلا، حُدد لهم حي مستديم عرف بقاع اليهود الواقع في الغرب من المدينة، والمنقسم إلى 20 حارة، يحوي ما يقرب من 10 آلاف نفس تقريبا، وفي مدينة عدن الصغيرة تقاسم اليهود السكنى مع السكان المحليين المسلمين، بل إن عددهم في بعض الفترات قد فاق عدد المسلمين وبخاصة بعد احتلال بريطانيا للمدينة عام 1839م، كما لم يختلف الأمر في عدن عن صنعاء من حيث انزواء اليهود في أحياء خاصة بهم، وهو ما ساد مختلف التجمعات السكانية اليهودية في مختلف مدن اليمن وقراها، الأمر الذي وفر لهم الحماية خلال فترات الفوضى والاضطرابات، إذ كان الاعتداء عليهم وهم ليسوا طرفا في النزاع يعتبر عملا ممقوتا اجتماعيا. وقد اشتغل اليهود في اليمن بالمهن الحرفية والأنشطة اليدوية مستغلين عزوف فئات المجتمع اليمني عن العمل بها فكان أن سيطر اليهود على مقدرات الحياة الاقتصادية بمجمل تفاصيلها، ولم يعد للفرد اليمني وصولا لصانع القرار الرئيسي من قدرة على الاستغناء عن مختلف الخدمات التي يقدمها الفرد اليهودي المحتكر لصناعة الحلي، وصناعة الأسلحة التقليدية (الخناجر والسيوف)، وكل ما هو متعلق بها، والصناعات الجلدية، وأعمال النجارة والزخرفة، وأعمال الحياكة والتطريز، وأعمال البناء، وغيرها من الحرف اليدوية. كما اشتغل البعض الأخر منهم بالتجارة مستفيدين من خاصية حرية التنقل التي كفلتها لهم الأعراف القبلية في اليمن، الأمر الذي حدا بعدد من الرحالة الغربيين على التنكر بزي اليهود حال تجوالهم في بقاع اليمن، إضافة إلى ذلك فقد سهل المحتل البريطاني في عدن والمحميات الجنوبية لهم إجراء وتنفيذ الكثير من العمليات التجارية بحرية ودون قيد، مما أدى إلى احتكارهم للكثير من الصناعات اليدوية، والعديد من الوكالات التجارية، كتجارة البن اليمني، وريش النعام وغيرها. تجدر الإشارة إلى أن عددا منهم قد شغل مناصب عالية في الدولة خلال مختلف الحقب التاريخية وبخاصة في الأعمال التي تتعلق بالخدمات، ففي زمن الإمام يحيى حميد الدين المتوفى سنة 1948م الذي أسند مهمة سك العملة النحاسية إلى بعض منهم، واعتمد في العديد من صفقاته الخارجية عليهم، كما حدث مع التاجر اليهودي إسحاق سبيري، علاوة على ذلك فلم يمنعهم من المساهمة المالية في الشركة اليمنية للتجارة والصناعة والزراعة حال إنشاءها، وكان من جراء ذلك أن انتعشت الحركة الاقتصادية بين الجالية اليهودية، واشتهرت بعض البيوت فيها بالتجارة مثل أسرة حبشوش وغيرها. من هم يهود اليمن؟ لا توجد وثائق تاريخية دامغة تحدد طبيعة التواجد اليهودي في اليمن، لكن الثابت أن اليهود اليمنيون هم جزء أساسي من مكونات المجتمع اليمني، ويعتبرون من اليمنيين الأصليين، فقد كانت اليهودية ديانة يعتقد بها جزء واسع من المجتمع في اليمن القديم، حيث جاءت إلى المجتمع الذي كان يعتقد بديانات محلية مختلفة، على غرار ما كان سائداً في عهد الممالك السبئية والحميرية والقتبانية وغيرها من ممالك اليمن القديم، وقد استمرت هذه الديانة عند شريحة واسعة من الناس طوال القرون التي مضت إلى جانب المسلمين الذين شكلوا الأغلبية الساحقة من اليمنيين. نبذة تاريخية: أقدم نقش تاريخي يحمل سمات الديانة اليهودية هو نقش جريني “بيت الأشول (1)” الذي يعود إلى أواخر القرن الرابع الميلادي وأوائل القرن الخامس الميلادي، أي إلى عهد الملك الحميري (ذرأ أمر أيمن) أخي الملك الحميري الشهير أبكرب أسعد الكامل، وهو ما يدل على أن اليهودية كانت منتشرة آنذاك، لكن ليس بصورة واسعة. وتشير هذه النقوش إلى وجود مجتمعات يهودية تتمتع بمكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، لكن ليس هناك ما يشير إلى أن ملوك القرنين الرابع والخامس قد اعتنقوا اليهودية، ولم يحدث ذلك إلا في القرن السادس، مثل يوسف أسار ذو نواس، ومن الملاحظ، أيضا، أن هذه المجتمعات اليهودية هم من السكان المحليين الذين اعتنقوا اليهودية باعتبارها ديانة، ولم يكونوا أجناسا يهودية قادمة من أماكن أخرى، ما يعني أن اليهودية قدمت باعتبارها فكرة، لكن معتنقيها هم من السكان الأصليين. أما ابن هشام في كتابه عن السيرة النبوية فيتكلم عن أصل اليهودية في اليمن، ويؤكد أنها جاءت عن طريق الملك الحميري أسعد الكامل، الذي قام بزيارة مكة ويثرب، ثم عاد من هناك إلى قومه ومعه حبران من أحبار اليهود، لكن قومه أنكروا عليه فعله، فاحتكموا إلى النار التي انحازت لصالح الأحبار، فآمنت حمير ودخلت اليهودية بعد ذلك وهي رواية غير مدعومة بأي وثائق تاريخية أو نقوش. استمرت اليهودية ديانة سلطة في حقب مختلفة من الدولة الحميرية سواء أكان الملك يهوديا أم يشجع اليهودية  بعد ذلك ظهر صراع مرير بين اليهودية والمسيحية، وبلغ ذروته في عهد يوسف ذو نواس (522- 530) مع غزو جيش أكسوم (القوة المسيحية التي كانت مهيمنة في إثيوبيا) لليمن، غزوا مثَّل رد فعل على الحملة العقابية التي قام بها يوسف أسار ذو نواس ضد المسيحيين المتمردين في نجران، وبذلك انتهى نظام السلطة اليهودية، وفقد اليهود سلطتهم القوية في البلاد، لكن اليهودية بقيت منتشرة بين عديد من القبائل اليمنية، إلا أن التحول الكبير لليهودية نحو الضعف في اليمن، جاء بعد دخول اليمن في حاضنة الإسلام، وتحول كثير من اليهود إلى الدين الجديد، ومن بقي منهم أصبح تحت نظام (الذمي) الذي يحق للمواطن اليهودي بموجبه البقاء في الدولة الإسلامية على أن يدفع الجزية (1). وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لا نعرف شيئًا، تقريبًا، عن اليهود في اليمن خلال الفترتين الأموية والعباسية الأولى حتى نهاية القرن التاسع، عندما تم إنشاء الإمامة الزيدية في شمال اليمن عام 897 على يد الإمام يحيى الهادي. حيث بدأت بعد ذلك سلسلة من الانتهاكات المنظمة وغير المنظمة ضد اليهود على مدى الألف السنة الماضية؛ لينتهي بهم الحال إلى عدد من الأشخاص المحرومين من أبسط مقومات المواطنة بعد أن كانوا جزءا كبيرا من المجتمع. مناطق تواجد اليهود في اليمن: كان اليهود يتواجدون في مناطق مختلفة من اليمن، لكنهم تركزوا في مدن رئيسية بسبب امتهانهم الأعمال الحرفية والتجارة سابقاً، أما الآن فهم يتواجدون فقط في (ريدة، ناعط في أرحب)، فضلا عن عدد منهم يتواجدون في (المدينة السياحية في العاصمة صنعاء) بعد تعرضهم لاعتداءات في مناطقهم الأصلية الواقعة في مناطق أخرى نائية من اليمن، وبحسب مقابلة مع رئيس الطائفة اليهودية حالياً في اليمن، فإن عددهم لا يتجاوز 43 فردا، ويتوزعون على الثلاث المناطق المذكورة على النحو الآتي: ريدة 9، وأرحب2، ومدينة صنعاء 32. الشعائر الدينية / التعليم: كان يمارس اليهود اليمنيون شعائرهم الدينية في المعابد قديماً، أما الآن فهم يمارسونها في المنازل بعد تدمير المعابد اليهودية بسبب المضايقات والانتهاكات التي تقوم بها الجماعات المتطرفة (القاعدة – الحوثيون). وعقائدياَ يعتبر اليهود اليمنيون الأكثر قرباً من يهود الأشكناز المتشددة دينياً التي تتمركز في ولاية نيويورك. ومن الشعائر الدينية التي يمارسها اليهود في اليمن: 1-   يوم السبت المقدس من كل أسبوع. 2-   عيد الفصح. 3-   عيد الغفران. 4-   عيد رأس السنة. 5-   عيد الأنوار. يقوم اليهود بتعليم أبنائهم اللغة العبرية والتوراة من سن الثالثة عند الحاخام، وهو كبير القوم علما وليس سنا، وعندما يصل سن السادسة يرسلونه لاستكمال دراسته الدينية في أمريكا أو إسرائيل ثم العودة إلى اليمن، وتعتبر نسبة التعليم قليلة جدًا عند الذكور وتنعدم عند الإناث. ورغم كل العروض والمغريات التي تقدمها الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية للطائفة اليهودية التي تعيش في اليمن فإن بعض اليهود اليمنيين يرفضون مغادرة بلدهم، ويفضلون العودة للعيش في اليمن الموطن الأصلي لهم. علاقتهم بالسلطة والمجتمع: كانت السلطات في عهد الأئمة في شمال اليمن وخلال ألف سنة تقريباَ تعتبر اليهود أهل ذمة وعلى أصحاب هذه الطائفة أن يقوموا بدفع الجزية للإمام، وهي عبارة عن مبالغ مالية تدفع عن كل فرد، ويعاملون معاملة مختلفة أقل من بقية أفراد المجتمع. وفي التقاليد اليهودية اليمنية يميز الشخص اليهودي نفسه بوضع (زنار)، وهو عبارة عن إطالة جزء من شعر الرأس عند الأذنين وعملها كالظفيرة حتى يتم تمييزه عن المسلم، كما أنه يعد مظهرا دينيا يميزهم(2) أما في جنوب اليمن آنذاك فعلاقة اليهود كانت جيده مع الدولة البريطانية، فيهود المناطق الجنوبية، وخاصة المحمية كعدن، كانوا يعيشون ويتعلمون مع المسلمين، وبقية الطوائف الدينية والعرقية الأخرى، مع وجود حصص لتدريس اللغة العبرية، ويتشابهون في العادات والتقاليد مع الآخرين ويختلفون فقط بالديانة، وقد كان لهم معابد خاصة بهم يمارسون شعائرهم فيها بحرية، لكن هذه العلاقة تغيرت في عدن بعد عام 1947م بعد إعلان قيام دولة إسرائيل واحتدام الصراع في المنطقة العربية معها، فتم إحراق منازل اليهود ومعابدهم وقتل بعضهم مما أضطرهم إلى مغادرة عدن إلى إسرائيل، وبعد استقلال جنوب اليمن في 1967 أصبح الجنوب شبه خالٍ تقريبا من أي تواجد يهودي. الأدب والثقافة اليهودية في اليمن: تعرض كثير من المخطوطات اليهودية في اليمن لعمليات النهب والتهريب، آخرها تم قبل عامين تقريبا، حيث تم تسريب مخطوطة تاريخية للتوراة إلى إسرائيل. وقد طور اليهود اليمنيون تقاليد خاصة وغنية في جميع جوانب الثقافة المادية: الموسيقى، والرقص، والهندسة المعمارية، والملابس، والتطريز، والحرف الذهبية والفضية، وما إلى ذلك، باعتبار ذلك جزءا من ارتباطهم بمجتمعهم الأصلي. يظل كثير من يهود اليمن حول العالم يحملون عاداتهم وتقاليدهم اليمنية التي يحاولون الحفاظ عليها وحمايتها من الاندثار، على الرغم من تواجدهم في مجتمعات أخرى مختلفة تماماَ في ثقافتها عن الثقافة التي نشأوا وتربوا عليها، وما زال كثير من هؤلاء اليهود حول العالم يفاخرون بثقافتهم وانتمائهم إلى اليمن، على الرغم مما عانوه من التهجير والإقصاء الذي مورس بحقهم على مدى عقود من الزمن، لاسيما في القرن الأخير. وقد أسهم اليهود بشكل رئيسي في إثراء المجتمع اليمني ثقافياً وفنياً، ومازالت لمساتهم الفنية في مجال العمارة ماثلة حتى الآن في صنعاء وفي جميع محافظات الجمهورية، وقد تأثر الناس بفنهم الغنائي الذي ينتمي إلى التراث اليمني، ومازال كثير من اليهود يحتفظون بهذا الفن حتى وهم في منافيهم البعيدة في بلدان متفرقة حول العالم، ولاسيما في إسرائيل. وقد اشتهر اليهود بالأعمال اليدوية، كصياغة الفضة، والجنابي (الخناجر التي يتزين بها اليمني)، والأعمال اليدوية الأخرى من تطريز وخياطة ونجارة وحدادة، وكذا في الصناعة والتجارة، كما تميزوا بالالتزام بدقة مواعيدهم، وحرفية أعمالهم، وحسن تعاملهم مع بقية أفراد المجتمع. وضع اليهود بعد ظهور الإسلام فى عام 628م دخل المسلمون اليمن بدون حروب، وتؤكد المصادر أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم أمر جنوده ألا يفرضوا الإسلام على اليهود أو المسيحيين وأوصى بهم خيرا. وأوصى بدعوتهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن قبلوه فعليهم الالتزام بأوامره ونواهيه، وإن بقوا على دينهم فالإسلام يكفل لهم الحياة الحرة الكريمة فى كنف دولته بشرط أداء الجزية (مبلغ من المال يدفع مقابل عدم المشاركة في الحروب). ورغم أن الإسلام لم يفرض على اليهود فإنهم دخلوا فيه بأعداد كبيرة(3). ومن الجدير بالذكر أن وضع اليهود قبل دخول الإسلام اليمن كان متدهورا منذ غزو الأحباش المسيحيين حمير واضطهادهم لليهود، فجاء الإسلام وحسن من وضعهم وتنفسوا في ظله نسيم الحرية. مركز اليهود إبان الحكم العباسي ظهرت أهمية المركز اليهودي في بغداد، وتوطدت علاقات يهود اليمن بيهود العراق. وفي نهاية الخلافة العباسية شهد اليمن -مثل كل الأقاليم- حركات انفصالية نتيجة الضعف الذي ظهر في جسم الدولة العباسية، فتكونت عدة أسر حكمت اليمن أولها الأسرة الزيدية (819-1018م). وفى عهد هذه الأسرة تملك اليهود الضياع والآبار واشتغلوا بالأعمال التي تدر عليهم الربح الوفير، وكانت معاملة المسلمين لهم تنم عن العدل والتسامح والكرم. يهود اليمن في القرنين الـ11 و12 في هذه الفترة ظهرت أهمية اليمن بسبب موقع مينائها الجنوبي عدن والذي يربط حوض البحر المتوسط بالهند وبلاد الشرق الأقصى في طريق تجاري بحري مهم. وترك اليهود العمل بالزراعة في هذه الفترة وتوجهوا إلى العمل بالتجارة الدولية بعد أن تحولت عدن إلى مركز تجاري دولي بسبب موقعها، فاغتنى اليهود وزادت ثرواتهم وكانوا يساهمون بالمال للمراكز الدينية التي في بغداد وفلسطين. وأقبل يهود كثيرون من مختلف البلاد (مثل فارس ومصر وشمال أفريقيا) واستقروا في اليمن أثناء عملهم بالتجارة، وفي تلك الفترة ساد الهدوء والاطمئنان أحياء اليهود باليمن. عهد الأيوبيين بعد أن دخل الأيوبيون اليمن كانت هذه فرصة كبيرة لتوطيد العلاقات بين يهود اليمن وموسى بن ميمون الفيلسوف والمفكر اليهودي الذي كان طبيب صلاح الدين الأيوبي فتحسن وضعهم. وقد ظلت العلاقات بين يهود اليمن وموسى بن ميمون قوية مدة 20 عاما استفاد فيها يهود اليمن من آرائه الفكرية والدينية والفلسفية. وكان الحكم الأيوبي مريحا ليهود اليمن وعصر انفتاح على الخارج. عهد أسرة بني رسول إثر انتهاء حكم الأيوبيين في اليمن حكمته أسرة بني رسول (1229-1454). وفي عهد هذه الأسرة انغلق يهود اليمن على أنفسهم وانقطعت علاقاتهم مع يهود الخارج عدا يهود مصر المملوكية. وتتميز هذه الفترة بازدهار النتاج الديني والأدبي لهم. عهد العثمانيين والقاسميين ظهر العثمانيون بعد ذلك كقوة سياسية كبيرة اجتاحت البلاد حتى وصلت إلى اليمن واستولت عليها، وأبدى اليهود للعثمانيون تعاونا كبيرا ثم ثار أهل البلاد على العثمانيين فطردوهم من اليمن كلها عام 1635. وتولى حكم اليمن بعد ذلك الأسرة القاسمية التي حكمت اليمن 250 عاما تقريبا. ونتيجة تعاون اليهود مع الغزو العثماني ضد أهل البلاد فقد أصدر الإمام أحمد عام 1679 قرارا بنفيهم من صنعاء إلى المنطقة الساحلية "موزاع"، ولكن سمح لهم بالعودة بعد عام حينما تولى الإمام محمد الحكم وأظهر تعاطفا كبيرا تجاه اليهود. وحدثت في القرن التاسع عشر عدة تغيرات مهمة أثرت في اليمن واليهود بها، ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر ثارت القبائل على الإمام الحاكم، كما تعرضت البلاد لسلسلة من الكوارث الطبيعية مما أثر سلبيا على سكان اليمن بمن فيهم اليهود. وفي ظل الأوضاع المتدهورة والصراعات الداخلية تمكن الأتراك عام 1836 من احتلال شمال اليمن، وقد استقبلهم اليهود بفرحة بالغة وساعدوهم في الاستيلاء على البلاد. وبعد دخول الأتراك سمحوا لليهود ببناء حي جديد، كما سمح لهم ببناء معابد جديدة في أحيائهم، وعاد الازدهار في كل المجالات(4). بعد انسحاب الأتراك عام 1918 تولى الحكم الإمام يحيى الذي منح اليهود مزايا كثيرة ولم يفرض عليهم ضرائب وبحث بنفسه في كل شكوى قدمها أي مواطن يهودي، ورأى اليهود أنه حاكم عادل متعاطف معهم. وفي عام 1948 مات الإمام يحيى وتولى بعده ابنه الإمام أحمد الذي فتح باب الهجرة على مصراعيه أمام اليهود. أوضاع اليهود في اليمن " مارس اليهود طقوسهم الدينية بحرية تامة وأقاموا لهم دور عبادة في كل أماكن وجودهم، فقد كان في صنعاء عام 1930 حوالي 39 معبدا يهوديا مقابل 48 مسجدا " الانتهاكات المرتكبة ضدهم: تجدر الإشارة هنا إلى أننا سنقسم الانتهاكات التي تعرضت لها هذه الطائفة إلى ثلاث مراحل: أولها: خلال القرن الخامس عشر للميلاد، وتحديداً خلال حكم الإمام المهدي أحمد بن الحسن بن القاسم مرسوماً قضى بنفي جميع اليهود الذين يعيشون في جميع مدن وبلدات البلاد تقريبًا، وإرسالهم إلى منطقة جافة جرداء، ولم ينجُ من هذا المصير سوى عدد قليل من المجتمعات اليهودية، الذين كانوا يقطنون في المناطق الشرقية من البلاد (مثل نهم والجوف وخولان) حيث رفضت القبائل في تلك المناطق الانصياع لأوامر الإمام. وقد لقي عدد من يهود اليمن حتفهم على طول الطريق الشاق إلى منفاهم في موزع. وبعد حوالي سنة واحدة في المنفى، تم استدعاء اليهود من منفاهم لأداء مهامهم المعتادة، حيث شكا المسلمون إلى الإمام من انعدام السلع والخدمات التي كان يقدمها ويقوم بها اليهود بسبب قرار نفيهم هذا. وفي بداية القرن التاسع عشر للميلاد، كانت حالة يهود اليمن بائسة جداً، حيث خضعوا لسلطة الإمام المحلي في حينها، وكانوا يُمنعون من ارتداء الملابس الجديدة أو الجيدة، وتم منعهم من ركوب الحمير والبغال، وإلزامهم بالسير ناحية اليسار، وعدم بناء بيوت أكثر من طابق، أو ارتداء السلاح، أو الجنابي. كما مُنعوا من العمل في مجال المعاملات النقدية، وكانوا جميعاً من الحرفيين الذين تم توظيفهم أساساً في أعمال النجارة والبناء والحدادة. وقد كان ليهود اليمن خبرة في مجموعة واسعة من المهن التي كان يتجنبها القبائل في المناطق المختلفة (وخاصة المناطق الزيدية). وكانت المهن التي استحوذ عليها اليهود حصرياً تشمل أعمال الحرف الفضية والحدادة وإصلاح الأسلحة والأدوات والنسيج والفخار والبناء والنجارة وصناعة الأحذية والخياطة. وفي المقابل، تولى المسلمون عملية إنتاج الغذاء وتزويد الأهالي به، بينما قام اليهود بتوفير جميع المنتجات والخدمات المصنعة التي يحتاجها المزارعون اليمنيون. ومن بين هذه الانتهاكات ما سمي بـ”قانون الأيتام”، الذي فرض في عهد الإمام يحيى حميد الدين في مطلع العام 1920، ويقضي بأن يتم تبني الأطفال الأيتام من اليهود، وتنشئتهم تنشئة إسلامية، وكانت الفكرة قد نشأت قبل ذلك في عهود سابقة، لكنها أصبحت فكرة عملية في مطلع القرن العشرين، كما أن الإمام يحيى قد سن قانونا آخر سيء السمعة، يتعلق بإلزام اليهود بتنظيف الشوارع والمراحيض. ثانيها: وقعت أحداث شغب دموية في عدن أسفرت عن مقتل 82 يهوديًا وتدمير عدد كبير من منازلهم. وقد أصيب المجتمع اليهودي في عدن بالشلل الاقتصادي جراء ما حدث، حيث تم تدمير معظم المتاجر والشركات الخاصة بهم. وقد أدى هذا الوضع إلى هجرة معظم الجالية اليهودية اليمنية بين يونيو 1949 وسبتمبر 1950. وخلال هذه الفترة، هاجر أكثر من 50000 يهودي إلى إسرائيل(5). الوضع السياسي والديني عاش يهود اليمن جنبا إلى جنب مع العرب في ظل وضعهم كأهل ذمة يدفعون الضرائب المقررة للدولة ويتمتعون بحماية أرواحهم وممتلكاتهم. وتمتع اليهود في ظل هذا النظام بسائر حقوقهم، وقد استخدم إمام اليمن سلطته لحمايتهم. كما تمتع اليهود الذين أقاموا مع القبائل اليمنية بحماية رؤساء القبائل. وحظي اليهود بالاستقلال الذاتي في إدارة شؤون الطائفة الداخلية وسمح لهم بانتخاب ممثلين اثنين لدى السلطة:

المراجع

التنزيلات

منشور

2025-07-31