الطرق الاجتماعية للتخلص من الشدة و تعسر الأمور من منظور القرآن الكريم

المؤلفون

  • بيداء علي جلود طالبة دكتوراه في كلية الالهيات والمعارف الاسلاميه جامعة مازندران
  • حبيب الله حليمي جلودار استاذ مشارك ,قسم عبلوم القرآن والحديث,جامعة مازندران,بابلسر,ايران

الكلمات المفتاحية:

الشدة، تعسر، التوجيهات القرآنية، الاستقرار النفسي، التوازن الاجتماعي

الملخص

يتناول هذا البحث الطرق الاجتماعية المستمدة من القرآن الكريم للتغلب على الشدة وتعسر الأمور. يهدف إلى استعراض وتحليل الآيات القرآنية التي تقدم توجيهات تساعد الأفراد والمجتمعات في مواجهة التحديات والصعوبات بطرق فعالة ومستدامة. يشمل البحث عدة محاور رئيسية، من بينها الصبر كركيزة أساسية في التعامل مع الشدائد، حيث يشدد القرآن على أهمية الصبر وتحمل المصاعب بجلد وثبات، والتوكل على الله كتوجيه روحاني يعزز من الطمأنينة والثقة في مواجهة الصعاب، مؤكدًا على ضرورة الاعتماد على الله في كل الأمور كما تناول البحث التعاون والتكافل الاجتماعي كعامل أساسي لتحقيق التضامن بين أفراد المجتمع، مما يسهم في تعزيز القدرة على مواجهة التحديات المشتركة. يتناول البحث أيضًا الدعاء والاستغفار كأدوات روحانية تعزز من قدرة الإنسان على تحمل المصاعب والتخفيف من آثارها النفسية والاجتماعية. يستعرض البحث النصوص القرآنية ذات الصلة ويحللها لفهم كيفية تطبيق هذه التوجيهات في الحياة اليومية. يبرز البحث أهمية الإرشادات القرآنية في تحقيق التوازن والاستقرار النفسي والاجتماعي، ويشجع على تطبيق هذه المبادئ في واقعنا العملي لبناء مجتمع متماسك وقوي. يؤكد البحث أن القيم القرآنية ليست فقط تعاليم دينية بل هي أدوات عملية يمكنها أن تسهم في التغلب على الشدائد وتحقيق السكينة والراحة النفسية. يوصي البحث بالعودة إلى القرآن الكريم وتطبيق توجيهاته كوسيلة فعالة للتغلب على الشدائد وتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي. إن تطبيق هذه القيم الدينية يمكن أن يسهم في تحقيق مجتمع يسوده السلام والاستقرار، مما يؤدي إلى حياة أكثر توازنًا وسعادة للأفراد والمجتمعات. يظهر البحث أن التوجيهات القرآنية تتضمن حلولًا شاملة للتعامل مع الأزمات والتحديات الحياتية، حيث يمكن للأفراد والمجتمعات الاعتماد على هذه القيم لتطوير استراتيجيات فعالة للتغلب على الصعوبات. من خلال تعزيز الصبر، التوكل، التعاون، الدعاء والاستغفار، يمكن تحقيق توازن نفسي واجتماعي يساعد في مواجهة الأزمات بشكل أكثر استدامة وفاعلية. هذا التأكيد على القيم الروحانية والاجتماعية القرآنية يعزز من مفهوم الوحدة والتكافل بين أفراد المجتمع، مما يؤدي في النهاية إلى بناء مجتمع متماسك وقادر على مواجهة مختلف التحديات بفعالية. 1-مقدمة تعتبر الشدة وتعسر الأمور من التحديات الحياتية التي يواجهها الإنسان بشكل يومي. وفي ظل هذه التحديات، يسعى الأفراد والمجتمعات إلى إيجاد سبل للتغلب على المصاعب وتحقيق السكينة والراحة النفسية. يعد القرآن الكريم مصدراً غنياً بالتوجيهات والإرشادات التي تعين المؤمن على مواجهة الشدائد وتجاوز الصعوبات بطرق فعالة ومستدامة. يتناول هذا البحث الطرق الاجتماعية التي يطرحها القرآن الكريم للتخلص من الشدة وتعسر الأمور. سيتم التركيز على الآيات القرآنية التي تتحدث عن الصبر، والتوكل على الله، والتعاون بين أفراد المجتمع، والدعاء، والإيمان بقضاء الله وقدره. يهدف هذا البحث إلى استعراض النصوص القرآنية ذات الصلة وتحليلها لفهم كيفية تطبيق هذه التوجيهات في الحياة اليومية. من خلال هذا البحث، نسعى إلى تقديم رؤية شاملة حول كيفية الاستفادة من الإرشادات القرآنية لتكوين مجتمع متماسك ومؤمن، قادر على مواجهة التحديات بعزيمة وثقة. كما سنسلط الضوء على الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه التوجيهات، وكيف يمكن أن تسهم في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي للأفراد والمجتمعات. إن دراسة الطرق الاجتماعية المستنبطة من القرآن الكريم ليست مجرد استعراض نظري، بل هي دعوة لتطبيق هذه المبادئ في حياتنا اليومية لتحقيق مجتمع يسوده السلام والطمأنينة. نأمل أن يكون هذا البحث إسهاماً في تعزيز الفهم العميق للإرشادات القرآنية وتشجيع الأفراد على تطبيقها لمواجهة الشدائد وتحقيق النجاح والتوازن في حياتهم. الشدة و تعسر الأمور من منظور القرآن الكريم وردت الاشارة الى الشدة و تعسر الامور في القرآن الكريم في بعض الآيات المباركة و ذك حسب ما تقتضيه الحاجة من تعاليم سماوية للبشر بهدف بيان واقع الحياة و الامور الشرعية و التكويني التي امر الله بها في العالم. و من هذا المنطلق نشير في هذا المبحث الى بعض الآيات المباركة التي فيها اشارة صريحة او غير مباشرة الى الشدائد و المحن و الامتحانات الالهية و من جملة ما يمكننا الاشارة اليه في باب ذكر الشده و التعسر في القرآن الكريم بصورة مطلقة هو ما ورد في الآية 185 من سورة مباركة البقرة من أن الأحكام الالهية بعيدة عن الشدائد و العسر و التعسر فيصرح الله تعالى فيها بان الله لا يريد بكم العسر في الشريعة: «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُريدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» فالله تعالى بعد ان يبين في هذه الآية الكريمة حكم الصيام يستثني منه المرض و الذي كان على سفر في شهر رمضان في بعض ايامه و يامر بقضاء صيام تلك الايام في ايام اخر من ايام السنة ثم يبين الهدف من هذه الحكم فيقول: يُريدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ؛ أي ان الله تعالى لا يريد ابدا ان يضيق على الناس في الاحكام الشرعية فيجعلهم في شدة و عسر بل ان الله تعالى يريد اليسر للناس. ذكر مقاتل في تفسيره لهذه الآية المباركة: «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ‏ من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا و أنزل به جبريل- عليه السلام- عشرين سنة، ثم قال- سبحانه-: هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ‏ يعني في الدين من الشبهة و الضلالة نظيرها في آل عمران الآية 4 وَ أَنْزَلَ الْفُرْقانَ‏ من قبل يعني المخرج من الشبهات‏ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ فواجب عليه الصيام. و لا يطعم‏ وَ مَنْ كانَ‏ منكم‏ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فلم يصم فإذا برى‏ء المريض من مرضه‏ فَعِدَّةٌ فليصم عدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ إن شاء صام متتابعا و إن شاء متقطعا و هكذا المسافر يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ يعني الرفق في أمر دينكم حين رخص للمريض و المسافر في الفطر وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يعني الضيق في‏ الدين فلو لم يرخص للمريض و المسافر كان عسرا ثم قال- عز و جل-: وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ يعني تمام الأيام المعدودات‏ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ‏ يعني لكي تعظموا اللّه‏ عَلى‏ ما هَداكُمْ‏ من أمر دينه‏ وَ لَعَلَّكُمْ‏ يعني لكي‏ تَشْكُرُونَ‏ ربكم في هذه النعم إذ هداكم لأمر دينه‏» و عن الفراء في معاني قرآنه أن الله تعالى استثنى المريض و المسافر لانه لا يريد بعباده الا اليسر و كذلك الطبري في تفسيره جامع البيان حيث يقول أن المريض او المسافر يفطر حتى لا يكون عليه عسر و حرج في صيام الشهر فيقضيه في أيام غير ايام شهر رمضان عندما يكون صحيحا او غير مسافر أما العياشي فقد أورد روايات في تفسير الآية المباركة منها: «عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع‏ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ قَالَ: فَقَالَ: مَا أَبْيَنَهَا لِمَنْ عَقَلَهَا، قَالَ: مَنْ شَهِدَ رَمَضَانَ فَلْيَصُمْهُ، وَ مَنْ سَافَرَ فَلْيُفْطِرْ. و عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ‏ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ حَدِّ الْمَرَضِ الَّذِي- يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ فِيهِ الْإِفْطَارُ- كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ- فِي قَوْلِهِ: وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ قَالَ: هُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ فَإِنْ وَجَدَ ضَعْفاً فَلْيُفْطِرْ، وَ إِنْ وَجَدَهُ قُوَّةَ فَلْيَصُمْ‏ كَانَ الْمَرِيضُ عَلَى مَا كَانَ‏. عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع قَالَ‏ صَوْمُ السَّفَرِ وَ الْمَرَضِ أَنَّ الْعَامَّةَ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ- فَقَالَ قَوْمٌ: يَصُومُ وَ قَالَ قَوْمٌ لَا يَصُومُ، وَ قَالَ قَوْمٌ: إِنْ شَاءَ صَامَ وَ إِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَ أَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ يُفْطِرُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعاً- فَإِنْ صَامَ فِي السَّفَرِ أَوْ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ- فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.» .الشدة و التعسر من المشاركة في الجهاد ثم الجهاد من جملة ما ورد في القرآن الكريم ذكره مضافا الى الشدة و التعسر؛ فإن في الجهاد الشدائد و الصعوبات و الحرب و القتل و الاسر و ما شاكلها؛ ولكن الله تعالى وعد المؤمنين النصر و ساعدهم في جهادهم مع اعدائهم كما في الآية المباركة التالية: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ في‏ أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا ما أَصابَكُمْ وَ اللَّهُ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى‏ طائِفَةً مِنْكُمْ وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في‏ أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في‏ بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى‏ مَضاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في‏ صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما في‏ قُلُوبِكُمْ وَ اللَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» المهم في هذه الآيتين المباركتين فيما نحن فيه هو أن الله تعالى يذكر الشدة و العسر الذي اصاب المسلمين في هذا الحرب حيث انزل بهم الحزن ولكن الله تعالى عالم باحوالهم و بامورهم فلم يتركهم بل ساعدهم على عدوهم. قال السمرقندي في تفسيره بحر العلوم في تفسيره لهاتين الآيتين المباركتين أن المقصود هو عندما كنتم تصعدون الجبل بهدف الهروب من العدو و كان الرسول صلى الله عليه و آله يدعوكم ولكنم لم تكونوا تلتفتون اليه و اخذتم بالفرار و قال البعض المقصود من تصعدون أي تهربون و لا معنى للجبل هاهنا فالعرب تقول اصعد في الارض اذا امعن في الفرار و الهزيمة فاصبحتم ذا غمين الاول غمكم لفوتكم الغنيمة التي كانت في متناول ايديكم و الغم الثاني هو اشراف الخالد بن وليد عليكم من فوق الجبل الذي تسبب في فراركم أو ان الغم الاول ما اصابهم من الهزيمة و الجرح و القتل و الغم الثاني انهم سمعوا بمقتل الرسول صلى الله عليه و آله؛ ثم انزل الله عليهم الامن فاصاب القوم النعاس فاطمئنوا و آمنوا و قول الطبراني في تفسيرها مثل ما مرّ مع اختلاف يسير في النقل و قد أمنهم الله تعالى من الخوفتين و انزل عليهم النعاس فآمنوا و قول الدينوري في تفسيرها ايضاً‏ و اخيرا قول الماتريدي في تفسيره تأويلات اهل السنة: «و قوله عزّ و جل: إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ: فيه لغتان: تصعدون بفتح التاء، و هو من الصعود أن صعدوا الجبل، و تصعدون بالرفع‏، و هو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأوّل إذا التفت فرأى منهزما آخر اشتدّ. و قيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض‏. و قوله: وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ: أي: لا تلتفتون على أحد، و لا ترجعون. وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ. أي: الرسول يدعوكم و ينادي وراءكم: إلىّ أنا الرسول. و كان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه. و قوله عزّ و جل: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ: اختلف فيه، قيل: غمّ الأول: الهزيمة و النكبة التي أصابتهم، و الغم الآخر: الصوت الذي سمعوا: قتل محمد عليه أفضل الصلوات و أكمل التحيات فذلك غم على غم. و يحتمل: غَمًّا: بعصيانهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم اغتموا، و الغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بتركهم المركز، و عصيانهم إياه و الخلاف له‏... و حقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، و الآخر ابتداء، و في ذلك تحقيق الزّلة و الجزاء؛ و قوله عزّ و جل: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا ما أَصابَكُمْ: يعني: من الفتح و الغنيمة، و لا ما أصابكم من القتل و الهزيمة. و يحتمل قوله: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى‏ ما فاتَكُمْ‏ من الدنيا، وَ لا ما أَصابَكُمْ: فيها من أنواع الشدائد؛ بما أدخلتم على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من الغمّ بعصيانكم إيّاه. وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ: على الوعيد. و قوله‏: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى‏ طائِفَةً مِنْكُمْ وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُم: قيل فيه بوجهين؛ قيل: الطائفة التي أتاهم النعاس هم المؤمنون، سمعوا بانصراف العدو عنهم فصدقوا الخبر فناموا؛ لأن الخوف إذا غلب يمنع النوم، و أمّا الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم هم المنافقون، لم يصدّقوا الخبر فلم يذهب عنهم الخوف، فلم ينعسوا. و قيل: كانت الطائفتان جميعا من المؤمنين، لكن إحداهما قد أتاها النعاس؛ لما أمنوا من العدو، و الأخرى لا؛ بعصيانهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و تركهم أمره منع ذلك النوم عنهم؛ إذ كيف يلقون رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و كيف يعتذرون إليه؟» .الامتحان الإلهي من جملة ما ذكر الله تعالى الشدة و العسر فيه من كتابه الحكيم، الامتحان الإلهي كما ورد في الآية المباركة التالية: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريبٌ» المستفاد منها ان الناس تصيبهم الشدائد و المحن و البأساء و الضراء بهدف امتحانهم و تمييز المحسن منهم من المسيء و المؤمن من الكافر و مستحق الجنة و النعيم من الخالد في نار الجحيم. قال الطوسي في تفسيره التبيان ان المقصود هو أنكم لما يحن وقت امتحانكم و ابتلاءكم فيكون منكم الصبر كما كان منهم و هذا نوع استدعاء الى الصبر كما هو وعد بالنصر و اما المس فهو بمعنى اللمس و البأساء بمعنى ضد النعماء كما ان الضراء بمعنى ضد السراء و المقصود من زلزلوا أي اصيبوا ببلبلة مزعجة و حركة كبيرة و ازعاج لمخافتهم من العدو و أما سؤالهم متى نصر الله فهو لا يجوز ان يكون على وجه الاستبطاء عن قول النبي صلى الله عليه و آله بل قال البعض انه دعاء و طلب بالنصر كما قال صاحب الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ان الآية نزلت في أناس فقراء من المهاجرين حيث اشتد عليهم الضر فخاطبهم الله تعالى في هذه الآية بانكم حسبتم ان تدخلوا الجنة من دون ابتلاء و امتحان ثم في الآية 168 من سورة مباركة الأعراف: «وَ قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَ مِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ السَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» و هذه الآية المباركة ايضا فيها اشارة الى الامتحان و الابتلاء الالهي و من الطبيعي ان الابتلاء و الامتحان فيه شيء من الشدائد و تعسر الامور كما قال الطبرسي في تفسيره لهذه الآية المباركة: «وَ قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمً معناه و فرقناهم في البلاد فرقا مختلفة و جماعات شتى يعني اليهود عن ابن عباس و مجاهد و إنما فرقهم بأن فرق دواعيهم حتى افترقوا في البلاد و تفرقهم ذل لهم بمنزلة أخذ الجزية لأنهم لا يتعاونون و لا يتناصرون و قيل إنه فرقهم لما علم سبحانه من الصلاح لهم في دينهم فصلح فريق و عصى فريق ثم أخبر سبحانه عنهم فقال‏ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي من هؤلاء الصالحون يعني من بني إسرائيل و هم الذين يؤمنون بالله و رسله و يطيعونه‏ وَ مِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ أي دون الصالح في الدرجة و المنزلة و هم الذين امتثلوا بعض الأوامر دون بعض و عملوا بعض المعاصي و إنما وصفهم بما كانوا عليه قبل ارتدادهم و كفرهم و ذلك قبل أن يبعث فيهم عيسى ع و قيل معناه منهم المؤمنون بمحمد و عيسى ع و منهم الكافرون عن عطاء و مجاهد وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ السَّيِّئاتِ معناه اختبرناهم بالرخاء في العيش و الخفض في الدنيا و الدعة و السعة في الرزق بالشدائد في العيش و المصائب في الأنفس و الأموال فكأنه قال بلوناهم بالنعم و النقم و الرخاء و الشدة فإن‏ فعل النعم يقتضي الرغبة إلى الله تعالى في ارتباطها و فعل النقم يقتضي الرغبة إلى الله تعالى في كشفها لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لكي يرجعوا إلى الله تعالى و ينيبوا إلى طاعته و امتثال أمره و متى قيل كيف يصح الرجوع إلى أمر لم يكونوا عليه قط فالقول فيه أن الذاهب عن الشي‏ء قد يقال له ارجع إليه أصر أي صر إليه كما أن من رأى غيره سالكا في المهالك قد يقول له ارجع إلى الطريق المستقيم يريد به إخراجه عن المهالك و قيل إن معناه لعلهم يرجعون إلى ما عليه أصل الفطرة» و عن صاحب روض الجنان أن الآية المباركة نازلة في بني اسرائيل و ما أحدث الله تعالى بهم من تقطيعهم جماعات جماعات و تمييز الصالحين منهم من غير الصالحين و البلاء في الآية بمعنى الامتحان و هذا الامتحان لربما يكون في الحسنات أي الغنى و التمول و النعم الزائدة و لربما يكون في السيئات و هي الجدب و القحط و قلة الزاد و الفقر و الحرمان و كل هذه الامتحانات من اجل رجوع الناس الى الحق و تركهم الباطل و في تفسير المحرر الوجيز ان المقصود من تقطيعهم هو تفريقهم في الارض و البلاء هو الامتحان و الحسنات هي كل امر حسن كالصحة و الرخاء و الايمان و السيئات الامور التي تكون في مقابل هذه الامور و في الآية 35 من سورة مباركة الانبياء: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ» ففي هذه الآية المباركة ايضا نجد الكلام عن الشدائد و تعسر الامور المستفاد من البلاء بالشر ولكن يكون ذلك من أجل الامتحان و الافتنان كما عن صاحب كشف الاسرار و عدة الابرار من أن الموت مكتوب على الناس بل على كل ذي نفس من دون استثناء كما قال الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ و قوله تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ و قول ابن الجوزي في كتابه زاد المسير: «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ قال ابن زيد: نختبركم بما تحبّون لننظر كيف شكركم، و بما تكرهون لننظر كيف صبركم. قوله تعالى: وَ إِلَيْنا يُرْجَعُونَ‏ قرأ ابن عامر: ترجعون بتاء مفتوحة. و روى ابن عباس عن أبي عمرو: يرجعون بياء مضمومة. و قرأ الباقون ترجعون بتاء مضمومة. قوله تعالى: وَ إِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا قال ابن عباس: يعني المستهزئين، و قال السّدّيّ: نزلت في أبي جهل، مرّ به رسول اللّه، فضحك و قال: هذا نبيّ بني عبد مناف. و إِنْ‏ بمعنى ما، و معنى‏ هُزُواً مهزوءا به‏ أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ‏ أي: يعيب أصنامكم، و فيه إضمار يقولون، وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ‏ و ذلك أنهم قالوا: ما نعرف الرّحمن، فكفروا بالرّحمن» أما الزمخشري في كشافه فقد قال في تفسيرها أن المقصود من البلاء في الآية المباركة هو الاختبار و الامتحان لنرى من يصبر و من يشكر ثم ترجعون الينا لنجازيكم على صبركم و شكركم ذاك و في سورة مباركة العنكبوت: «أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبينَ» و في هذه الآيات ايضا نجد الكلام عن الافتنان الذي عادة يكون مصحوبا مع الشدائد و تعسر الامور؛ كما فسرها المكارم الشيرازي في تفسيره الامثل بقوله: «بالرّغم من أن بيان عمومية الامتحان لجميع الأمم و الأقوام كان له أثر كبير فعّال بالنسبة لمؤمني مكّة، الذين كانوا يمثلون الأقلية في ذلك العصر، و كان التفاتهم إلى هذه الحقيقة سببا في وقوفهم بوجه الأعداء بصبر و استقامة إلّا أن ذلك لم يكن منحصرا في مؤمني مكّة، بل إن كل جماعة و طائفة لها نصيب من هذه السنة الإلهية فهم شركاء فيها، إلّا أن الامتحانات الإلهية لهم تأتي بصور مختلفة فالجماعة الذين يعيشون في محيط ملوث بالمفاسد و الوساوس تحيط بهم من كل جانب، فإن امتحانهم الكبير في مثل هذا الجو و الظروف، هو أن لا يتأثروا بلون المحيط و أن يحفظوا أصالتهم و نقاءهم و الجماعة الذين يعيشون تحت ضغط الحرمان و الفقر، يرون بأنّهم لو صمموا على ترك رأس مالهم الأصيل الإيمان فإنّهم سرعان ما يتخلصوا من الفقر و الحرمان لكن ثمن ذلك هو فقدانهم للإيمان و التقوى و الكرامة و الحرية و الشرف، فهنا يكمن امتحانهم و جماعة آخرون على عكس أولئك غرقى في اللذائذ و النعم، و الإمكانات المادية متوفرة لديهم من جميع الوجوه. ترى هل يؤدون في مثل هذه الظروف الشكر على النعم أم سيبقون غرقى في اللذائذ و الغفلة و حب الذات و الأنانية. غرقى الشهوات و الاغتراب عن المجتمع و عن أنفسهم! و جماعة منهم كالمتغربين في عصرنا، يرون بعض الدول بعيدة عن اللّه و الفضيلة و الأخلاق حقّا، و لكنّها تتمتع بالتمدن المادي المذهل و الرفاه الاجتماعي. هنا تجذب هؤلاء المتغرّبين قوّة خفية إلى سلوك هذا النوع من الحياة أو سحق جميع القيم و الأصول و الأعراف التي يعتقدون بها، و يبيعون أنفسهم أذلاء عملاء لتلك الدول، ليوفروا لهم و لمجتمعهم مثل هذه الحياة. و هذا نوع آخر من الامتحان. المصائب، و الآلام و الهموم، و الحروب و النزاعات، و القحط و الغلاء، و ما تثيره الحكومات الأنانية لتجذبهم إليها و تستعبدهم به و أخيرا الأمواج النفسية القوية و الشهوات، كلّ منها وسيلة للامتحان في طريق عباد اللّه، و السائرين في الميادين التي تتميز فيها شخصية الأفراد و تقواهم و إيمانهم و طهارتهم و أمانتهم و حريتهم. و لكن لا طريق للانتصار في هذه الامتحانات الصعبة لاجتيازها إلّا الجدّ السعي المستمر، و الاعتماد على لطف اللّه سبحانه» و عن صاحب الميزان أن المقصود من الحسبان هو ظن هؤلاء و الاستفهام للانكار بانهم هل حقا ظنوا ان نتركهم من دون ان نختبر ايمانهم؟ و من دون ان تصيبهم مصيبة تظهر خلوص ايمانهم؟ بل يمتحنهم الله تعالى حتى تظهر آثار صدقهم و كذبهم في مقام العمل لكي يعلم وجوب تحقق السعادة لهم او وجوب تحقق التعاسة لرسوبهم في تلك الامتحانات الالهية لأن مجرد ادعاء الايمان لا يكفي و أخيرا قول البيضاوي في كتابه انوار التنزيل بمعنى قريب مما مرّ كفر الانسان في الشدائد و ايضا من جملة ما وردت الاشارة الى الشدة و تعسر الامور في القرآن الكريم في الآية المباركة التالية: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبينُ» فسرها البغوي بقوله أن الآية المباركة نازلة في فئة من الاعراب دخلوا المدينة و سكنوا فيها ثم عندما اصاب بعضهم الخير كالصحة و المال و الولد نسبه الى الدين و ثنى على الدين ولكن في المقابل عندما نزل ببعضهم المرض و قل ماله و ولده نسب هذا الفقر و هذه الشدة الى الدين و قال منذ دخلت هذا الدين و لم ارى فيه خيرا! فانزل الله تعالى فيهم الآية المباركة و قول الفخر الرازي في تفسيرها: «اعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ‏ و في تفسير الحرف وجهان: الأول: ما قاله الحسن و هو أن المرء في باب الدين معتمده القلب و اللسان فهما حرفا الدين، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين و إذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض و في قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد اللَّه على حرف الثاني: قوله: عَلى‏ حَرْفٍ‏ أي على طرف من الدين لا في وسطه و قلبه، و هذا مثل لكونهم على قلق و اضطراب في دينهم لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر و اطمأن و إلا فر و طار على وجهه. و هذا هو المراد فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ‏ لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق و طاعة اللَّه و الخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء و يرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقا مذموما» و فسرها صاحب انوار التنزيل بقوله ان بعض الناس ليس لهم ثبات على دينهم و معتقدهم فهم مذبذبون مرة الى الكفر و مر الى الايمان حسب ما تقتضيه معيشتهم و ايامهم و حسب ما ينزل بهم من خير او شر أما الطوسي في تبيانه فقد قال ان المعنى هو أن في الناس من يعبد الله على ضعف في المعتقد فهو يزول ايمانه بادنى شبهة يتعرض لها و هذا معنى عبادة الله على حرف؛ فمعتقده و دينه بحسب الخير النازل عليه او الفتنة التي تصيبه كما كان حال بعض من دخل المدينة و قطن فيها حسب نقل ابن عباس و هذا الكلام و المعتقد الضعيف انما يكون عن قلة البصيرة و في الآية 10 من سورة مباركة العنكبوت: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما في‏ صُدُورِ الْعالَمينَ» قال المكارم الشيرازي في تفسيرها: «حيث أنّ الآيات المتقدمة تحدثت عن المؤمنين الصالحين و المشركين بشكل صريح، ففي الآيات الأولى من هذا المقطع يقع الكلام على الفريق الثّالث أي المنافقين فيقول القرآن فيهم: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ‏ فلا يصبرون على الأذى و الشدائد، و يحسبون تعذيب المشركين لهم و أذى الناس أنّه عذاب من اللّه‏ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ‏ فنحن معكم في هذا الافتخار و الفتح. ترى هل يظنون أن اللّه خفيّ عليه ما في أعماق قلوبهم فلا يعرف نياتهم‏ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ‏. و لعل التعبير ب آمنا بصيغة الجمع، مع أنّ الجملة التي تليه جاءت بصيغة المفرد، هو من جهة أنّ هؤلاء المنافقين يريدون أن يقحموا أنفسهم في صف المؤمنين، فلذلك يقولون آمنا أي آمنا كسائر الناس الذين آمنوا. و التعبير ب أُوذِيَ فِي اللَّهِ‏ معناه أوذي في سبيل اللّه، أي إنّهم قد يتعرض لهم العدوّ- أحيانا- و هم في سبيل اللّه و الإيمان فيؤذيهم. الطريف هنا أنّ القرآن يعبر عن مجازاة اللّه ب العذاب و عن إيذاء الناس ب الفتنة و هذا التعبير إشارة إلى أنّ إيذاء الناس ليس عذابا في حقيقة الأمر بل هو امتحان و طريق إلى التكامل. و بهذا فإنّ القرآن يعلمهم أن لا يقايسوا بين هذين النوعين العذاب و الإيذاء و لا ينبغي أن يتنصّلوا من الإيمان بحجّة أن المشركين و المخالفين يؤذيهم فإن هذا الإيذاء جزء من منهج الامتحان الكلي في هذه الدنيا. و هنا ينقدح سؤال و هو: أي نصر جعله اللّه حليف المسلمين و نصيبهم، ليدعي المنافقون أنّهم شركاء في هذا النصر مع المسلمين؟! و نقول في الجواب: إنّ الجملة الآنفة الذكر جاءت بصيغة الشرط و نعلم أنّ الجملة الشرطية لا دليل فيها على وجود الشرط، بل مفهومها هو أنّه لو اتفق أن كان النصر حليفكم في المستقبل، فإنّ هؤلاء المنافقين ضعاف الإيمان يرون أنفسهم شركاء في هذا النصر! إضافة إلى كل ذلك فإنّ المسلمين في مكّة كانت لهم انتصارات على المشركين غير عسكرية بل انتصارات في التبليغ و الإعلام و نفوذ في الأفكار العامة و توغّل الإسلام في طبقات المجتمع» و قول السيد قطب في تفسيرها: «ذلك النموذج من الناس، يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل، هينة المئونة، لا تكلف إلا نطقها باللسان، فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ بسبب الكلمة التي قالها و هو آمن معافى‏ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ فاستقبلها في جزع، و اختلت في نفسه القيم، و اهتزت في ضميره العقيدة؛ و تصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه، حتى عذاب اللّه؛ و قال في نفسه: ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شي‏ء، فعلام أصبر على الإيمان، و عذاب اللّه لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب؟ و إن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، و عذاب اللّه الذي لا يعرف أحد مداه. هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة. وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ! إنا كنا معكم .. و ذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل و التهافت و التهاوي، و سوء التصوير و خطأ التقدير. و لكن حين يجي‏ء الرخاء تنبث الدعوى العريضة، و ينتفش المنزوون المتخاذلون، و يستأسد الضعفاء المهزومون، فيقولون: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ! أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ؟ أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع، و من إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء و على من يموهون؟» و ذكر البحراني في تفسيره البرهان أن المقصود من الاذى في الله أي بان يؤذي المؤمن انسان آخر لأجله ايمانه بالله تعالى فهو لضعف ايمانه يتنازل عن ايمانه و معتقده الحق و يدخل مع الظالمين و الكافرين في معتقدهم و عملهم لكي يقي نفسه من شرهم! و أخيرا في روح المعاني للحقي البرسوي: «وَ مِنَ النَّاسِ‏ مبتدأ باعتبار مضمونه اى و بعض الناس و الخبر قوله‏ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ‏ اى فى شأنه تعالى بان عذبهم الكفرة على الايمان و هو مجهول آذى يؤذى أذى و اذية و لا تقل إيذاء كما فى القاموس و الأذى ما يصل الى الإنسان من ضرر اما فى نفسه او فى جسمه او فى قنياته دنيويا كان اواخر و يا جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ‏ اى ما يصيبه من اذيتهم و الفتنة الامتحان و الاختبار تقول فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتظهر جودته من رداءته و أطلقت على المحنة لانها سبب نقادة القلب‏ كَعَذابِ اللَّهِ‏ فى الآخرة فى الشدة و الهول و يستولى عليه خوف البشرية إذ من لم يكن فى حماية خوف اللّه و خشيته يفترسه خوف الحق فيساوى بين العذابين فيخاف العاجل الذي هو ساعة و يهمل الآجل الذي هو باق لا ينقطع فيرتد عن الدين و لو علم شدة عذاب اللّه و ان لا قدر لعذاب الناس عند عذابه تعالى لما ارتد و لو قطع اربا اربا و لما خاف من الناس و من عذابهم و فى الحديث من خاف اللّه خوّف اللّه منه كل شى‏ء و من لم يخف اللّه يخوّفه من كل شى‏ء و قال بعضهم جعل فتنة الناس فى الصرف عن الايمان كعذاب اللّه فى الصرف عن الكفر: يعنى ترك ايمان كند از خوف عذاب خلق چنانكه ترك كفرى بايد كرد از خوف خداى تعالى‏ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ‏ اى فتح و غنيمة للمؤمنين فالآية مدنية لَيَقُولُنَ‏ بضم اللام نظرا الى معنى من كما ان الافراد فيما سبق بالنظر الى لفظها إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ‏ اى متابعين لكم فى الدين فاشركونا فى المغنم و هم ناس من ضعفة المسلمين كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم و كانوا يكتمونه‏ من المسلمين فرد عليهم ذلك بقوله‏ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ‏ اى با علم منهم بما فى صدورهم من الإخلاص و النفاق حتى يفعلوا ما يفعلون من الارتداد و الإخفاء و ادعاء كونهم منهم لنيل الغنيمة»‏ فمن الواضح أن في هذه الآيات المباركة و الآيات المباركة المماثلة لها التي لم نذكرها بهدف عدم التطويل و الخروج عن صلب الموضوع، بيان للشدائد و تعسر الامور لأسباب مختلفة و من اهمها الامتحان الالهي للناس؛ ولكن ما هو الطريق للخروج من هذه الشدائد و معالجة تعسر الامور؟ هذا ما سندرسه من المنظور القرآني في الفصول القادمة بعون الله. .بعض الشدائد التي نزلت بالنبي ابراهيم عليه السلام و قد وردت الاشارة في القرآن الكريم بنزول الشدائد بالانبياء عليهم السلام و كيفية تعامل الناس معهم و من جملة تلك القصص الواردة في القرآن الكريم، قصة النبي ابراهيم عليه السلام حيث اراد به الظالمون السوء فاشعلوا النار و ارادوا ان يلقوه في النار ولكن الله تعالى جعل النار له جنة فلم يصل له أي اذى من النار كما في قوله تعالى: «قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلينَ» فسرها المكارم الشيرازي بقوله: «مع أنّ عبدة الأوثان أسقط ما في أيديهم نتيجة استدلالات إبراهيم العمليّة و المنطقيّة، و اعترفوا في أنفسهم بهذه الهزيمة، إلّا أنّ عنادهم و تعصّبهم الشديد منعهم من قبول الحقّ، و لذلك فلا عجب من أنّ يتّخذوا قرارا صارما و خطيرا في شأن إبراهيم، و هو قتل إبراهيم بأبشع صورة، أي حرقه و جعله رمادا! هناك علاقة عكسية بين القوّة و المنطق عادة، فكلّ من اشتدّت قوّته ضعف منطقه، إلّا رجال الحقّ فإنّهم كلّما زادت قوتهم يصبحون أكثر تواضعا و منطقا. و عند ما لا يحقّق المتعصّبون شيئا عن طريق المنطق، فسوف يتوسّلون بالقوّة فورا، و قد طبّقت هذه الخطّة في حقّ إبراهيم تماما؛ إنّ المتسلّطين المتعنّتين يستغلّون نقاط الضعف النفسيّة لدى الغوغاء من الناس لتحريكهم عادة لمعرفتهم بالنفسيات و مهارتهم في عملهم! و كذلك فعلوا في هذه الحادثة، و أطلقوا شعارات تثير حفيظتهم، فقالوا: إنّ آلهتكم و مقدّساتكم مهدّدة بالخطر، و قد سحقت سنّة آبائكم و أجدادكم، فأين غيرتكم و حميّتكم؟! لماذا أنتم ضعفاء أذلّاء؟ لماذا لا تنصرون آلهتكم؟ احرقوا إبراهيم و انصروا آلهتكم إذا كنتم لا تقدرون على أي عمل ما دام فيكم عرق ينبض، و لكم قوّة و قدرة. أنظروا إلى كلّ الناس يدافعون عن مقدّساتهم، فما بالكم و قد أحدق الخطر بكلّ مقدّساتكم؟! و الخلاصة، فقد قالوا الكثير من أمثال هذه لخزعبلات و أثاروا الناس ضدّ إبراهيم بحيث أنّهم لم يكتفوا بعدّة حزم من الحطب تكفي لإحراق عدّة أشخاص، بل أتوا بآلاف الحزم و ألقوها حتّى صارت جبلا من الحطب ثمّ أشعلوه فاتّقدت منه نار مهولة كأنّها البحر المتلاطم و الدخان يتصاعد إلى عنان السّماء لينتقموا من إبراهيم أوّلا، و ليحفظوا مهابة أصنامهم المزعومة التي حطّمتها خطّته و أسقطت أبّهتها!! لقد كتب المؤرخّون هنا مطالب كثيرة، لا يبدو أي منها بعيدا، و من جملتها قولهم: إنّ الناس سعوا أربعين يوما لجمع الحطب، فجمعوا منه الكثير من كلّ مكان، و قد وصل الأمر إلى أنّ النساء اللآتي كان عملهنّ الحياكة في البيوت، خرجن و أضفن تلّا من الحطب إلى ذلك الحطب، و وصّى المرضى المشرفون على الموت بمبلغ من أموالهم لشراء الحطب، و كان المحتاجون ينذرون بأنّهم يضيفون مقدارا من الحطب إذا قضيت حوائجهم، و لذلك عند ما أشعلوا النّار في الحطب من كلّ جانب اشتعلت نار عظيمة بحيث لا تستطيع الطيور أن تمرّ فوقها. من البديهي أنّ نارا بهذه العظمة لا يمكن الاقتراب منها، فكيف يريدون أن يلقوا إبراهيم فيها، و من هنا اضطروا إلى الاستعانة بالمنجنيق، فوضعوا إبراهيم‏ عليه و ألقوه في تلك النّار المترامية الأطراف بحركة سريعة» ثم زاد في بيانه للقصة حسب ما ورد في كتب التاريخ و الروايات الواردة في بيان تفاصيل القصة بقوله: «نقرأ في الرّوايات المنقولة عن طرق الشّيعة و السنّة أنّهم عند ما وضعوا إبراهيم على المنجنيق، و أرادوا أن يلقوه في النّار، ضجّت السّماء و الأرض و الملائكة، و سألت اللّه سبحانه أن يحفظ هذا الموحد البطل و زعيم الرجال الأحرار. و نقلوا أيضا أنّ جبرئيل جاء للقاء إبراهيم، و قال له: أ لك حاجة؟ فأجابه إبراهيم بعبارة موجزة: أمّا إليك فلا إنّي أحتاج إلى من هو غني عن الجميع، و رؤوف بالجميع. و هنا اقترح عليه جبرئيل فقال: فاسأل ربّك، فأجابه: حسبي من سؤالي علمه بحالي. و على كلّ حال، فقد القي إبراهيم في النّار وسط زعاريد الناس و سرورهم و صراخهم، و قد أطلقوا أصوات الفرح ظانّين أنّ محطّم الأصنام قد فني إلى الأبد و أصبح ترابا و رمادا. لكنّ اللّه الذي بيده كلّ شي‏ء حتّى النّار لا تحرق إلّا بإذنه، شاء أن يبقى هذا العبد المؤمن المخلص سالما من لهب تلك النّار الموقدة ليضيف وثيقة فخر جديدة إلى سجل افتخاراته، و كما يقول القرآن الكريم: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى‏ إِبْراهِيمَ‏. و المعروف أنّ النّار قد بردت بردا شديدا اصطكّت أسنان إبراهيم منه، و حسب قول بعض المفسّرين: إنّ اللّه سبحانه لو لم يقل: سلاما، لمات إبراهيم من شدّة البرد. و كذلك نقرأ في رواية مشهورة أنّ نار النمرود قد تحوّلت إلى حديقة غناء. حتّى قال بعض المفسّرين إنّ تلك اللحظات التي كان فيها إبراهيم في النّار، كانت أهدأ و أفضل و أجمل أيّام عمره‏‏» .بعض الشدائد التي نزلت بالنبي ابراهيم يوسف عليه السلام كما اننا نجد البيان لتفاصيل قصة النبي يوسف عليه السلام و ما نزل به من بلاء من ناحية اخوته و أمته بأن ألقي في الجب ثم استخرج منها و بيع عبدا في الاسواق ثم الشدة التي نزلت به من جانب امرأة العزيز حيث اضطر الى اختيار السجن للهروب منها و من نسوة مصر؛ ولكن مع هذا كله، فقد فرج الله عنه و أذل اعدائه حيث رجعوا الى الايمان به و بدعوته و بنبوته كما ورد في الآية المباركة: «وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمي‏ مَثْواهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْويلِ الْأَحاديثِ وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ذكر الطبرسي في بيانه لهذه الآية المباركة: «أخبر سبحانه عن حال يوسف بعد أن بيع فقال‏ «وَ قالَ الَّذِي اشْتَراهُ» أي اشترى يوسف‏ «مِنْ مِصْرَ» أي من أهل مصر «لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ» أي مقام يوسف و موضع نزوله أي هيئي له موضعا كريما شريفا و تقدير الآية فحملوه إلى مصر و باعوه و حذف ذلك للدلالة عليه و كان المشتري خازن فرعون مصر و خليفته و صاحب جنوده و اسمه قطفير و كان لا يأتي النساء و قيل أن اسمه أظفير و كان يلقب بالعزيز و من كان بمكانه يسمى بالعزيز و من يسمى بالعزيز ممن لم يكن بمكانه نزع لسانه فلما عبر يوسف رؤيا الملك سمي العزيز و جعل مكان العزيز و كان باعه مالك بن زعر منه بأربعين دينارا و زوج نعل و ثوبين أبيضين عن ابن عباس و قيل أنه عرضه على البيع في سوق مصر فتزايدوا حتى بلغ ثمنه وزنه ورقا و مسكا و حريرا عن وهب فاشتراه العزيز بهذا الثمن و قال لامرأته راعيل و لقبها زليخا «أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا» أي عسى أن نبيعه فنربح على ثمنه‏ «أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً» فإنه لا ولد لنا و إنما قال ذلك لما رأى على يوسف من الجمال و العقل و الهداية في الأمور و على هذا فالعزيز هو خازن الملك و خليفته و الملك هو الريان بن الوليد «وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ» أي كما أنعمنا على يوسف بالسلامة و الخروج من الجب مكناه في الأرض بأن عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى صار بذلك متمكنا من الأمر و النهي في الأرض التي كان يستولي عليها الملك و هي أرض مصر «وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» و قد مضى معناه في أول السورة «وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ» أي على أمر يوسف يحفظه و يرزقه حتى يبلغه ما قدر له من الملك و النبوة و لا يكله إلى غيره و قيل معناه و الله غالب على أمر نفسه لا يعجزه شي‏ء من تدابيره و أفعاله فهو الفاعل لما يشاء كيف يشاء «وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» إن الله غالب على أمر نفسه أو أمر يوسف و قيل معناه لا يعلمون ما يصنع الله بيوسف و ما يؤول إليه حاله‏» ثم قول مغنية في تفسيرها: «عرض يوسف للبيع في أسواق مصر، فاشتراه العزيز، و هو لقب لأكبر وزراء الملك و أمنائه، و الذي دلنا على انه هو المشتري قوله تعالى: «و قال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه» و قد توسم العزيز في يوسف الذكاء و النجابة، فأوصى به خيرا، و قال لامرأته: احسني معاملته، و اكرمي إقامته عندنا، و علل ذلك بأنه يرجو إذا بلغ يوسف أشده أن يقوم بتدبير شئونهم، أو يتبنوه، لأن العزيز كان عقيما، لا ولد له، كما قال أكثر المفسرين. و الآية تومئ الى ذلك‏ (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً). (وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ). أنعم اللّه على يوسف بالنجاة من كيد اخوته و إخراجه من البئر، ثم بجعله في بيت العزيز، بيت الجدة و الرفاه، و بتمكنه في قلب صاحب البيت، ثم بتعليمه حقائق الأمور، و منها تعبير الرؤيا، و هذه النعم و ما اليها قد رفعت من شأن يوسف عند الناس، و جعلته محلا لثقة الجميع و احترامهم، و مهدت له أن يتولى خزائن الأرض في مصر، و ان يقول له ملكها: «انك اليوم لدينا مكين أمين». (وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى‏ أَمْرِهِ). أراد اخوة يوسف له الشر، و أراد اللّه له الخير «إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون». (وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ان الأمر للّه وحده، و ان من طغى و بغى مغترا بحوله و طوله أخذه اللّه من مأمنه أخذ عزيز مقتدر» بعض الشدائد التي نزلت بالنبي محمد صلى الله عليه و آله و ايضا يمكن الاشارة الى بعض الهموم و الشدائد التي نزلت بالنبي صلى الله عليه و آله و منها حينما اضطر هو و المؤمنون بدعوته الى الهجرة الى المدينة و ذلك إثر الأذى الذي ألحقه بهم الناس و في هذا الباب يمكن الاشارة الى الآية المباركة التالية: «وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرينَ» قال السيد فضل الله في تفسيره للآية المباركة: «قد ضاقت قريش ذرعا بالنبي، بعد أن استنفدت كل الأساليب التي حاولت من خلالها الضغط عليه نفسيا و جسديا من أجل أن يترك دعوته، و يبتعد عن مواجهة الفكر الإشراكي في خططه و وسائله و أهدافه، و لكنه صمد أمام عوامل الترغيب و الترهيب، و الإيذاء و التنكيل، و الشتم و الاضطهاد، فاجتمعوا في مؤتمر تآمري ضمّ كبار القوم، فقال قائلهم: نثبته في بيت و نوثقه، و قال آخر: بل نقتله، و قال ثالث: بل نخرجه من بلادنا... و اختلف الرأي فيما بينهم. ثم اتفقوا على أن يقتلوه بمشاركة كل بطون قريش، حتى يضيع دمه فيما بينهم. و لكن اللَّه أطلع نبيه على ذلك، و أمره بالهجرة إلى المدينة، حيث كان قد أعدّ للأمر عدّته في ما اتفق عليه مع الأوس و الخزرج على أن ينطلقوا معه في خط الدعوة إلى اللَّه و الجهاد في سبيله، فيمنعونه مما يمنعون به أنفسهم و أهليهم و أموالهم... و هكذا أبطل اللَّه مكرهم و تدبيرهم الخبيث بأقوى منه، حيث خطط لنبيه طريق الهجرة بكل دقّة و نجاح، و انطلق الإسلام من خلال ذلك انطلاقته الكبرى في خط الدعوة و الجهاد من خلال الرحمة و القوة. وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إن الكلمة لا تدل على معنى سيّئ ليقول قائل إن نسبة المكر إلى اللَّه جارية على سبيل المحاكاة ورد الفعل لا على سبيل الحقيقة. لِيُثْبِتُوكَ‏ الإثبات الحبس... أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ‏ من مكة، وَ يَمْكُرُونَ‏ في ما يدبرونه من خطط للقضاء على النبي و على دعوته‏ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ‏ بما يدبّره من إبطال كيدهم و مكرهم، و بما يسهله لرسوله من الوصول إلى أهدافه، وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ‏ و خير المدبّرين، فإذا أراد شيئا هيّأ أسبابه» کما قال المفسر صادقي الطهراني في تفسيرها: «أن ذلك في دار الندوة، مجلس الشورى لصناديد قريش حيث اجتمع فيه أربعون منهم أو يزيدون، تشاورا في أمر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كيف يعالجون موقفه الدعائي، صدا عن دعاياته المستمرة المتخلخلة المتجلجلة بين الناس بتزايد بالغ يشكل خطرا حاسما على قبيل الإشراك. و حصيلة الآراء الأولى هي ثالوث‏ «لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ».ثم توافقت على «يقتلوك» ثم النتيجة الحاسمة لذلك التصميم «يخرجوك» حيث نبهه اللّه بما مكروه من قتلهم إياه فخرج إلى غار الثور و بات علي (عليه السلام) على فراشه، ثم هاجر (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعد ثلاثة أيام إلى المدينة. و تلك الهجرة الهاجرة هي منقطعة النظير بين كل بشير و نذير بما فيها من خوارق عادات، حيث خرج أمام المهاجمين، آخذا بيده كفا من‏ تراب، راميا إلى وجوههم بقوله: شاهت الوجوه، كما فعله في بدر الكبرى، متوجها إلى غار ثور، و حفاظا عليه، قطعا لاحتمال كونه فيه رغم ظاهر الأثر من أقدامه المباركة تؤمر العنكبوت أن يسدل ستارا ضخما على باب الغار ما يخيّل إلى الناظر أنه شغل سنين! في ذلك المسرح المنقطع النظير إلا ما كان بحق المسيح (عليه السلام) نرى للرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صاحبين بين أصحابه، صاحب ينام على فراشه مضحيا بنفسه نفس الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بما اختاره (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لتلك التضحية و هو الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد نزلت بشأنه آية الشراء: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» بصورة مستقلة. و صاحب يصاحبه في الغار حالة الفرار من مكر الكفار، و لا تنزل بشأنه إلا «إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا». و لقد ذاق الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الذين معه في أخريات سنيّه بمكة أشد ألوان الأذى بحجر أبي طالب سنين أربع، و لما صمموا على قتله بدار الندوة بدأت الهجرة المباركة مزودة بتسليات لخاطره القريح و قلبه الجريح منذ دخوله الغار... و لقد باهي اللّه جبريل و ميكائيل بتضحية علي (عليه السلام) ليلة المبيت في الأخوة المحمدية العلوية عليهما السلام» الخاتمة

المراجع

التنزيلات

منشور

2025-07-31