التمويه في قصص العشاق في العصر الاموي
الكلمات المفتاحية:
التمويه، قصص العشاق، الشعراء العشاق، التمويه في الحب، العصر الامويالملخص
يسعى هذا البحث إلى قراءة ظاهرة التمويه في المتن الأدبي القديم بشقية النثري والشعري وبالتركيز على العصر الاموي كونه العصر الأبرز استعمالا لظاهرة التمويه، على اعتبار أن التمويه اُعتمَد عليه في إخفاء حالة يمر بها الإنسان وقد عبر عنها في نصوص شعرية مختلة، وهذا الاخفاء والتمويه لم يأتِ عن فراغ بل جاء مقصودا ولعدة أسباب منها قبلية واجتماعية، ومن دينية إسلامية، والكثير منها أسباب سياسية، وانطلق البحث لتحقيق غايته عبر ثلاث محاور جاء الأول منها لبحث مصطلح التمويه في المفهوم والوقوف عليه في اللغة والاصطلاح، ووقف الثاني على القصة وتتبع مسارها عبر العصور التي مرَّ بها الادب العربي، وعرض المحور الثالث الأسباب التي تقف وراء التمويه ولماذا يتعكز الاديب على التمويه لإيصال خطابه، وانتهى البحث بمجموعة من النتائج. أن فن القصص من الفنون النثرية التي كانت موجودة في العصر الجاهلي وبقيت مستمرة الى العصور المتأخرة وانها تطورت بتطور المراحل التاريخية للأدب .أن ظاهرة التمويه هي اسلوب ادبي يلجا اليه الفرد لغرض اخفاء عكس ما يريد .أن التمويه كان موجودا في قصص العشاق في قصص العصر الجاهلي والاسلامي لأسباب منها المجتمع والعادات والتقاليد، بينما كان السبب الرئيس لاستخدام هذا الغرض هو الجانب الديني في عصر الاسلامي. أولًا: التمويه في دائرة المفهوم: التمويه في اللُّغة: مصدر موه ومنه "التَمْويهُ وهو التلبيسُ. والماوِيَّةُ: المِرآةُ، كأنَّها منسوبةٌ إلى الماء"()، والتمويه: "الكذب، وهو في الحديث كالتعمية، وقد موّه عليه، إذا خيّل له أنّه على شيء وهو على ضدّه، وأصل التمويه الصّقل، كأنّ على ألفاظه المموّهة صقالة، وهو من لفظ الماء"(). وأيضا التمويه هو: الزخرفة، "يقال موهت عليه الحديث فعلت له ماء ونضارة حتى قبله، من موه الحديد طلاه بماء الذهب ليظن أنه ذهب، ثم صار مثلا في كل تزوير، وهو تفعيل من الماء، ذكره بعضهم. وقال أبو البقاء: التمويه التحسين لما باطنه قبيح وأصله من الماء لأنه يحسن كل شيء"(). وفي الاصطلاح فليس هناك تعريفا واضحا للتمويه غير ان ثمة تعريفات قريبة تعطي المعنى الذي يحمله هذا المصطلح ومنها أن التمويه هو "إلباس صورة حسنة لشيء قبيح كإلباس الذهب للنحاس وغيره"()، ويرى حازم القرطاجني ان معنى التمويه يقترب من معنى الكذب غير انه ليس كذبا بل مقيسا عليه وفي ذلك يقول: "والتمويهات تكون بطي محل الكذب من القياس عن السامع, أو باغتراره إياه ببناء القياس على مقدمات توهم أنها صادقة لاشتباهها بما يكون صدقا، أو بترتيبه على وضع يوهم أنه صحيح لاشتباهه بالصحيح، أو بوجود الأمرين معا في القياس، أعني أن يقع فيه الخلل من جهتي المادة والترتيب معا، أو بإلهاء السامع عن تفقد موضع الكذب وإن كان إلى حيز الوضوح أقرب منه على حيز الخفاء بضروب من الإبداعات والتعجيبات تشغل النفس عن ملاحظة محل الكذب والخلل الواقع في القياس من جهة مادة أو من جهة ترتيب أو من جهة المادة والترتيب معا"() ويبدو أن التمويه والكذب يكاد يكون لهما وجه تشابه في جانب ما، وهو حجب الحقيقة, لكن لكل منهم طرق لهذا الحجب وهناك دوافع تختلف عن الامتناع عن قول الحقائق، والفرق الحقيقي بينهما إن الكذب يستبدل الحقيقة، بينما التمويه يأتي بحقيقة مشابه أو مقاربة للحقيقة، وهذا ما يدفع عنها الشبه، والمفارقات بين الكذب والتمويه كثيرة من بينها أنه الكذب عملية لا تحتاج الى اسلوب ومفردات ومعاني وتفكير بتمعن يؤدي الى تحريف الحقيقة عن مسارها دون الهدف الى الكذب بل يجعل هناك رابط بين الحقيقة والتمويه. ويستعمل مصطلح التمويه في الميادين العسكرية ويعني أحد أساليب الحرب المميزة، فليس هناك جيش لم يخدع ويضلل على الاعداء، واخفاء الواقع الفعلي وإظهار ما لا قيمة له للإيقاع بهم(). ويدخل التمويه ضمن الاساليب التي لها استعمالات متعددة في الأدب بشكل عام والادب العربي بشكل خاص, والأسباب كثيرة تدعو الأديب والمفكر إلى اللجوء الى هذا الاسلوب منها دواعي الخوف من السلطة الحاكمة أو الخوف من المجتمع والعادات، أو الخوف على المحبوبة فيما يخص موضوعنا العشاق, فضلا عن أمور أخرى يحددها السياق. وفيما يخص مجرى حديثنا قصص العشاق، فأن المجتمع العربي هو مجتمع يسوده في الغالب التسلط الفكري أتجاه بعض المواضيع خاصة تلك التي تتعلق بالمرأة، فالفرد العربي يسير وفق نهج وقالب فكري جاهز يجعله يلجأ الى طرائق التمويه، التي من شأنها أن تبعده عن الموضوع والمواجه، وتختلط الاوراق وتبتعد عن الحقيقة، وأن أيدولوجية الاستبداد التي تلبسها المجتمع العربي والتي حاولت اسقاط كل هذه المفاهيم في العقلية العربية فروضتها ترويض جعلت القاص او الشاعر يلجأ الى المواهمة والتخفي، ويثير الخطاب الذي يتركه الكثير من الدلالات والرموز عن ما خلفه في خطابه الأدبي، وهنا يكون الأثر الابرز للمتلقي في فك شفرة الدلالة والمعنى المراد، فيما يحاول المؤلف توظيف كل الملكات العقلية والتراكيب الايقاعية وأدواته الاسلوبية وموسيقاه الادبية في النص، فهو يعمد الى التمويه لأجل تحقيق ما يروم له مما يجعل النص حافلا بالتأويل(). ثانيًا: القصة ومسارها التاريخيّ: إنّ القصة في اللّغة مأخوذة من القصّ وهو (القطع)، ومنه قصّ الشعر والظفر وغيره، ثم تطور المعنى إلى (قصّ الأثر واقتصه) بمعنى: تتبعه، يقال: قصصت الشيء، إذا تتبعت أثره شيئا بعد شيء، وكأن من يقصّ الأثر يقطع الأرض قطعة فقطعة، أي على مراحل()، وتطورت الدلالة مرة أخرى إلى (قص الخبر قصا وقصصاً) بمعنى: أعلمه وأورده. و(القصص): الخبر المقصوص، و(القصص): جمع قصة، الأمر، والتي تكتب. و(القاص): الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها. و(تقصصت الكلام): حفظته)(). وعلى ذلك فالقصة إذا تعني الخبر الذي يتألف من أحداث يتتبعها القاص بالألفاظ والمعاني، ويضيف عليها عنصر التشويق ويوردها على مسامع الناس فيحفظها ويتداولها، وقد تكتب أيضا، ويشترط في القصة أن تحتوي على عنصرين أساسيين هما العقدة والحل(). المسار التاريخي لفن القصص في الأدب العربي: العصر الجاهلي: كان هذا العصر حافلا بالأحداث الخارجية والداخلية، فقد كان العرب ينحصرون بين إمبراطوريتين تدور بينهما الصراعات والحروب، وكان العرب في كثير من الأحيان وقودا لحروبهما، إذ كان المناذرة حلفاء الفرس والغساسنة حلفاء الروم، ووصل الصراع إلى اليمن، فقد تعاوره حلفاء الدولتين من اليمنيين، وكانت الحروب الداخلية تدور رحاها في كل بقعة من الأرض العربية، وكل ذلك كان يخلف وراءه أخبارا وقصصا عن البطولات والفرسان والمؤامرات والدسائس والمغامرات يتناقلها الركبان ويتسامر بها الناس في مجالسهم، ولنا أن نتصور ما كان يضاف إليها في اتساعها الزماني والمكاني من قصص عاطفي واجتماعي وأساطير وخرافات، لتصبح مع الزمن قصصا شعبيا فيه أفكار القوم وأحلامهم وذاكرتهم وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم(). وإذا كنا لا نحفل بصياغة النصوص التي وصلت إلينا، على الرغم من محافظتها على كثير من سماتها الشفوية، فإننا نظن بمضمونها ودلالاتها وشكلها العام ونمطها ونوعها؛ لأنّ من صاغها احتذي انموذجا مألوفا ومعروفا، وإلا كان نبأ عن سمت البيئة وطبيعتها في مجتمع شديد المحافظة, فالقصة الجاهلية كانت قصة شفوية رويت على الألسنة، وكانت تتعرض للتحريف والتغيير حتى في زمنها، مثل أي فعالية شفوية، ولكنها حافظت على مضمونها العام وعلى ثيماتها الخاصة وبعض صيغها اللغوية المميزة كما في أساطيرها وأمثالها والكثير من أخبارها، فإذا كانت القصة الجاهلية فكرة وأحداث وشخصيات، فإن السرد فيها كان كتابية متأخرة حاول المحافظة على الروح الجاهلي إلى حد كبير()، وقد صور الشعراء قصصهم العاطفية ووجدهم للمرأة التي ملكت قلوبهم وعقولهم()، فعبروا عن ذلك في اشعارهم التي كونت قصة غزلية متكاملة الأركان. القصة في العصر الإسلامي: القصة في العصر الاسلامي في بدايتها كانت استمرار للقصص في العصر الجاهلي؛ لأنها متصلة فيها بشكل كبير، وكذلك لأنهم عاصروا ذلك العصر ومضوا شطر كبيرة من حياتهم وشبابهم فيه، لذلك فنحن نلمح الكثير من خصائص الأدب الجاهلي فيها، فكانت قصصهم تدور حول عدة محاور منها قصص الحب والعاطفة، والتي نجدها بشكل كبير حول الموضوعات التي تدور في رحيل الاحبة, وقصص الحب العفيف()، وذلك يرجع لما جاء به الإسلام من تعاليم واحكام دينية. العصر الاموي: بسبب الانقسامات السياسية والقصرية في العهـد الأمـوي تطـور الأدب بأنواعه المختلفة ومن ضمنها القصة التي اتخذتها الفرق المختلفة من علماء الكلام وسيلة لنشر دعوتها، ممن اتخذوها للقيام بهذا الدور الأسود بن سريع أول من قص في البصرة، وواصل بين عطاء إمام المتكلمين، والحسن البصري وإبراهيم التيمي وغيرهم، ومن هذه الأسماء يتضح أن القصاص كانوا وعاظاً وفي الوقـت نفـسه يضعون في أذهان الناس خرافات وأساطير بعضها مأخوذ من الديانات السابقة بعد أن دخلها التحريف، وكانت بعض هذه القصص صالحة وبعضها غيـر صـالح، وكانت بعضها تمثل أفكاراً غير ناضحة تلقي في المجالس، وتأتي دائمـاً نتيجـة لخلاف مذهبي()، ومن هذا المنطلق قسمت القصص في عصر بني أمية إلـى ثلاثـة أقـسام(): القصة الدينية الموضوعة لبث روح الحماس فـي نفـوس المقـاتلين وتدور احداثها عادة حول الـدين ومـسرحها المـساجد والمجالس الدينية. القـصة الموضوعة لغاية سياسية والمستترة بالدين أو الحب أو سواهما من الموضـوعات التي تلقي قبولاً لدي الناس، وتدور أحداث هذا النوع حول الحكـام ونـسائهم، ومناوئهم، ومن أشهرها قصص غرام عاتكة بنت معاوية بأبي دهيل الشاعر، وغـرام زينب أخت الحجاج، وقصة وضاح اليمن وعشق أم البنين فمن خلال الأسماء يتضح صلة النساء المذكورات في هذه القصص بالسياسة. وأخيراً قصص الحب . وهي أشهر القـصص التـي تميز بها العصر الأموي. القصص التي تدور احداثها عن الحب، فتـدور حـول قـصص الغـرام والغزل، وانتشر هذا النوع بسبب إغراق بني أمية للشباب الهاشمي فـي التـرف بإغراق الأموال عليهم حتى يصرفونهم عن الخلافة، وأبطال هذه القصص كانوا غالباً شعراء يبثون عواطفهم من خلال قصائد طوال كلها لوعة وشوق، يـصفون فيها أيام اللقيا والفراق، وأحياناً ينسجون فيها قصصاً من خيالهم الخصب. ومن جهة أخرى يقسم شوقي ضيف الغزل في العصر الأموي إلى نـوعين: الأول غـزل صريح وهو غزل حسي يشبب به الشاعر بمن تعجبه من النساء ويصف مغامراته معهن حقيقية ويتخيلها أحياناً. والنوع الثاني: هو الغزل العذري وهنا يبث الشاعر في أبياته ما يلاقيه من آلام الجوي وعذاب الحـب، وشـاعر الحـب العـذري والصريح اتخذ القصة وسيلة من وسائله للوصول إلى مراده خاصة شاعر الغـزل الصريح، فهو يكاد يعتمد بشكل واضح عليها، وسنمثل لذلك برائية الشاعر عمـر بن أبي ربيعة، ولكن قبل الحديث عن هذا النموذج لا بد من ذكر حقيقة هامة هي أن هؤلاء الشعراء اعتمدوا على معطيات في الشعر القصصي ورثوها عن العصر الجاهلي، وأضافوا إليها ما اكستبوه من الحياة المعاصرة في العـصر الأمـوي(). أتكأ هذا الفن في العصر الاموي على دعامة جاهليـة ألّا وهي دعامة أمرئ القيس، ولكنه استكمل عناصر القـصة وحبـك أطرافهـا واستوفى شخوصها، ورسم لها الألوان والظلال والتي تستثير المـشاعر وتهـيج العواطف(). العصر العباسي: أدى تطور الواقع والحياة في العصر العباسي الى ازدهار الفنون الادبية بشكل كبير، إذ مثل هذا العصر المرحلة الذهبية للأدب، وكان لفن القصة نصيب كبير منها، فأن كل فن يتأثر بالواقع الذي يعيشه، واستطعنا أن نلمس مؤثرات هذا الفن في القصة العباسية، والوضع السياسي الذي مر به المجتمع العباسي، إضافة الى الازدهار الاقتصادي التي شهدته تلك الفترة، دغع العلم والفن الى التقدم والذي شجع هذا الاهتمام الكبير بالثقافة من قبل الخلفاء في ذلك العصر، وهذا ما جعل الفن القصصي يستمد من هذه الظواهر الفكرية الكثير من الاجواء والعناصر منها ظواهر السمر، والمجالس والمناظرات والزهد والتصوف والكدية، حيث رسخت هذه الحواضر بطبيعة الون القصصي لتلك الفترة، والتأثير الذي طال القصة ليس في الاحداث فقط، وانما تسلل الى بنية القصة ولغتها، مما جعلها مصطبغة بالروح الشعبية التي تمثلت بصور عدة من المجتمع، وكانت لظاهرة السمر تأثير كبير على ازدهار فن القصة في العصر العباسي، حيث كثرت مجالس السمر والتي تعد منبعاً للقصة، وبرز العديد من المسامرين الذين كانوا رفقاء مجالس الخلفاء () ثالثاً: اسباب التمويه في قصص العشاق: التمويه وكما مر سابقا هو امر يلجأ إليه العاشق حينما يظهر أمر ويخفي ما يريد وسنتعرف الى الاسباب التي تدعو الى استعمال هذا الامر، فإذا تتبعنا سير قصص العشاق منذ العصر الجاهلي، نجد أن العاشق في بعض الاحيان يستعمل هذا الاسلوب من باب عكس السمو العربي في تلك العاطفة, والذي تعامله معها بنبل وعفة وقد كلفت هذه العفة بعض العشاق حياتهم, واغلب هذه القصص نجدها عند قصائد الشعراء, وهناك العديد من الشعراء استعملوا عاطفة العشق او الحب لغرض ثاني وهو يقصد منه أن يغيض أو يشهر بالخصوم فاستعمال هذا اللون لغرض بعيد عن الحب الحقيقي(). أما العصر الاسلامي فكان للإسلام الاثر البالغ والمساهمة بشكل كبير في صون الاعراض غير أنه لم يمنع هذا الحب ولم يحاول أن يمنع هذه العاطفة بل على العكس فتحه ابوابه لها, ولكنه وجهها الى ضرورة التعامل معها بشكل مختلف؛ وذلك عن طريق عدم التشهير أو المحاولة الخروج عن العفة، وحاول ترسيخ الخلاق بشكل كبير وهذا ما انعكس اثره على العشاق الذين كانوا يحكون القصص فمالوا الى التمويه والرمز والغرض من ذلك عدم التصريح عن قصصهم, وهذا ما جعل الحب في العصر الاسلامي حب عذري يسمو بعاطفة رقيقة, لتصل الى عاطفة تلتهب بنار العشق(). وأما العصر الاموي فشهد تطورا كبيرا لقصص الحب خاصة أنه واكب ولادة تيارين مهمين في الغزل وهما الغزل العذري والغزل الحسي, فكان هذا له تأثير على نوع قصص العشاق في ذلك العصر وكان وراء هذا التنوع اسباب كثيرة تعزو الى اللجوء الى التمويه من قبل العشاق سواء كان هذا في الشعر أو النثر ويمكن ان نذكر هذه الاسباب بشكل موجز: كان الأثر السياسي من اهم الاثار التي ادت الى اتباع اسلوب التمويه في قصص او شعر الغزل وخاصة في بيئة البادية؛ ويذكر طه حسين هذا السبب ويعلل ذلك بان اتجاه الحواضر إلى الغزل الإباحي أو ما يسميه غزل المحققين، على حين اتجهت البادية إلى هذا الاتجاه في العفة والتمويه, فمال هذا الون من الغزل او قصص العشاق الى اظهار خلاف ما يبطن. تأثير أهلها بالإسلام والقران، ولعل هذا التفسير أقرب إلى الحقيقة من غيره من التعليلات؛ فمن الاسباب التي تدعو الى التمويه العامل الديني فهذا الاتجاه له أثر في تربية جيل جديد تربية صادقة صارمة على القيم والتعاليم الإسلامية، وكذلك له أثر ايضا في الحياة الاجتماعية فانت تدعو إلى الاستقرار وتساعد عليه، وكلا الأمرين لم يتوفرا معا إلا في عصر بني أمية، ففي العصر الأموي اكتملت نشأة الجيل الذي مازجت التربية الإسلامية أعماقه، ونحن لا ننفي تأثير العامل الديني في القصص العذري، إلا أننا لا نبلغ به مرتبة أن يكون العامل الوحيد في نشأتها، فضلا عن أن يكون العامل الأساسي في هذه النشأة، إن العامل الديني قد ظهر في تلوين التعبير في القصص والشعر العذريين بلون إسلامي، إلا أن سبب نشأة هذا القصص والشعر كان سياسيا في أساسه، اجتماعيا في المقام الثاني(). العامل الاجتماعي كان له الاثر الابرز في استعمال اسلوب التمويه ولعل مرد ذلك هو العادات والتقاليد المجتمعية فطبيعة المجتمع والافراد القبلية, كل ذلك فرض على الفرد التمسك بالعادات واهداب الفضيلة السامية ومكارم الخلاق وهذا ممّا له علاقة بالمحافظة على عفة المرأة وشرفها. قضية التعبير بالوسيلة المتاحة إذا كان أهل السياسة يصرحون بدعوتهم وعقيدتهم مستندين إلى ما لديهم من قوة أحيانا، أو طالبين للشهادة في سبيل ما يؤمنون به أحيانا أخرى، فإن أهل البادية قد لجأوا إلى التلميح بمعتقدهم في هذا الإطار الفني الذي اخترعوه، والذي يضمن لهم الأمان من مخالب السلطة. وهكذا نلاحظ أن قدرا كبيرا من التعمية والترميز يشبعان في بعض القصص، ويمكن تفسير هذه التسمية بأن هذا القصص قد وضعت في عهود قوة الدولة وبطش الحكام، ويبدو أن بعضا آخر يتخفى من هذه القيود ويميل إلى التصريح أو ما يقرب منه، وهو ما يمكن تفسيره بشعور اهل البادية بضعف قبضة الدولة وتراخي قرنها وهذا أول تعبير متكامل بالرمز يظهر في الأدب العرب نتيجة الطغيان السياسي(). وفي العصر العباسي وبعد سقوط الدولة الاموية عاشت البادية يائسة، ولكنها مع ذلك تتعلق بأمل غامض في مجيء الهدى الهاشمي الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، حتى إذا أتت دولة بني العباس تفجر الأمل في النفوس، واستقبلها الناس ولسان حالهم قول الشاعر الكميت (): غير أن الزمن بتطاوله يكشف عن استمرار للسياسة نفسها التي نقمها الناس من بني أمية، بل بأشد منها وطأة، ويصرح الشاعر عن ذلك في إحساس مرير بخيبة الأمل فيقول: ويصل الناس إلى حالة من اليأس الكامل الاصم، وتحمل القصة العذرية آثار هذا التحول النفسي في طوابع محددة: ١- كان تأثير الشعور الديني والذي لا يستطيع الناس هجاء بني عم الرسول؛ دعاء الكثير الى أن يذبل المساق الهجائي للقصة العذرية، من خلال استعمال التمويه في قصصهم من خلال محاولات هينة لا تذكر فيها الأسماء صراحة بل يکفي القول وحدثت أن بعض ولد العباس، ويذكر قصة. ۲ – كان لعنصر الجنون، أثرا لممارسة التمويه من خلال العودة إلى الموروث الأموي وأضافه قصص عن الجنون والتي خدمت الكثير من الافراد من خلال تسويق نماذج تظهر خلاف ما تبطن وهذا ويشيع بكثرة في الروايات العباسية للقصص القديم . ٣-وكان لعنصر الزهد دور فاعل في تغيير البناء برمته فيصر عشقا لله يغلب عليه طابع الجنون، إذ يصير هو السمة العامة للمتصوفة عقلاء المجانين تعبيرا صريحًا من الانفصال التام عن قبضة الواقع، فهذا الاسلوب من التمويه هو رغبة العارمة للخروج من الواقع المعاش، ورفض مشاركة المجتمع الذي طبعه الفساد بطابعه، لذلك سوف تشتهر قصة مجنون ليل، في العصر العباسي لتحتل مكانة قصة جميل بثينة، وعروة بن حزام، وتكون هي العلم المفرد على هذه العلاقة المتسامية، والقالب الفني الأصيل للتعبير الصوفي، صحيح أن بعض مرويات هذا الاتجاه قد أتخذ قالباً لإسقاط وجهة نظر سياسية صريحة، كالذي يرويه صاحب العقد الفريد وهكذا يتحول أبطال القصص العذري لدى الصوفية إلى شخصيات تمثلها ميمونة السوداء المجنونة وعليان الكوفي وصالح الموسوس وسعدون والبهلول، الذين تغلب عليهم حالة الوجد والجذب الصوفية، تطلعا إلى عالم المثال الأسمى، منفصلة عن مجتمعها، بل ملغية وجوده إلغاء تاما، بدلا من الدخول ضده في خصومة، كما كان الحال لدى العشاق العذريين() . الخاتمة بعد هذه الرحلة القصيرة مع فن القصص وظاهرة التمويه في قصص العشاق توصل البحث الى امور عدة منها: أن فن القصص من الفنون النثرية التي كانت موجودة في العصر الجاهلي وبقيت مستمرة الى العصور المتأخرة وانها تطورت بتطور المراحل التاريخية للأدب . أن ظاهرة التمويه هي اسلوب ادبي يلجا اليه الفرد لغرض اخفاء عكس ما يريد . أن التمويه كان موجودا في قصص العشاق في قصص العصر الجاهلي والاسلامي لأسباب منها المجتمع والعادات والتقاليد، بينما كان السبب الرئيس لاستخدام هذا الغرض هو الجانب الديني في عصر الاسلامي. تجلت هذه الظاهرة الادبية بشكل كبير في العصر الاموي وكان ذلك يرجع الى جملة من الاسباب الى جانب السبب الديني وهي اجانب السياسي الذي جعل استخدام التمويه امور لابد منه . اتجه التمويه في العصر العباسي الى غطاء ديني او ما يسمى بالتصوف حتى يستطيع ان يعبر عن غاياته . الهوامشالمراجع
التنزيلات
منشور
2025-07-31
إصدار
القسم
Articles


