الإجراء النقدي في نقد الخطاب النقدي للشعر العراقي
الكلمات المفتاحية:
الخطاب، الإجراءات، الخطاب الشعري العراقي، المناهج النصيةالملخص
مثلت المناهج النصية للنقاد العرب مناهج إغراء وإغواء من حيث طروحاتها التنظيرية وأدواتها الإجرائية، فمن النقاد من انشغلَ واشتغل بهذهِ الأدوات التي وجد ضالته النقدية التطبيقية فيها، مما أظهر لدينا خطاباً نقدياً متماسكاً إلى حدٍ ما، بل يمكننا أن نقول إن الخطاب النقدي العراقي أصابهُ التطور الصحي والمنطقي والمستند على مرجعيات ورؤى لتلك المناهج النصية. لقد تبلور الخطاب النقدي المهتم بالمناهج النصية منذ تسعينيات القرن العشرين في النقد العراقي حصراً وهو مرحلة لاحقة لتطور الخطاب النقدي العربي غير أن ما يمتاز به الخطاب النقدي العراقي أنه استطاع أن يتناول النصوص الأدبية بصورة عامة والنصوص الشعرية بصورةٍ خاصة، مما أكسبهُ حقه البعد التطبيقي الملائم والمنسجم مع طبيعة المستوى التنظيري، مما جعلهُ خطاباً يدخلُ في مناطق نقدية يشغل عليها في السابق. يتضمن الحديث في هذا البحث عن أهم المحاور التي انشغل واشتغل ودار عليها الخطاب النقدي العربي الحديث إلا وهو البحث عن الأدوات الإجرائية لكل منهج نصي حديث بدءاً من البنيوية وصولاً إلى طروحات النقد الثقافي, وهذا يجعلنا نقوم بعملية استقرائية كاشفة عن هذه الأدوات عند كل ناقد اشتغل في نقد النص الشعري, واعتمد على منهج نصي ما، وسواء أكان الناقد أعلن عن هذه الأدوات في خطابه وتحليله للنصوص الشعرية بشكل صريح لو اشتغل على أداة أو أدوات نقدية لم يصرح بها, وإنما تحليله جاء موافقاً لهذه الأدوات التي تنتمي إلى منهج نقدي نصي. ونتيجة لتعدد الأدوات الإجرائية لكل منهج ومع توافق أو تخبط ناقد النص الشعري العراقي قد يتسعُ هذا المبحث بحثاً عن حقيقة ذلك الخطاب معتمدين على نقد النقد لتلك الأدوات التي هي هنا والأخيرة كشفت لنا عن ملاءمتها للنص المفقود ومن عدمها، وكشفت لنا أيضاً عن قدرة الانسجام النقدي وأهم منها القدرة النقدية للناقد الحديث في نقده للشعر الحديث، وبذلك نستنتج أن هذه الأدوات التي سنعرضها عن كل ناقد هي بالأحرى الراشد النقدي الذي اعتمدنا عليه في نقد ذلك الخطاب النقدي. إذ إن اعتماد الناقد في تحليله للنص الشعري العراقي المعاصر على الأدوات الإجرائية للمنهج المتبع، ناتج عن فهمه لوظيفة ومهمة هذه الأداة وطبيعة اشتغالها في المنهج مع إدراكه أن الأداة أو الأدوات المختارة في تحليله هي الوسيلة النقدية التي يكشف من خلالها طبيعة النص الشعري، فهناك أداة تبحث عن البنية والنسق الداخلي للنص، وأحياناً تبحث عن العلاقات المتشابكة لإجراء ذلك النص، وهناك أداة تبحث عن طبيعة العلامة والعتبة سواء في عنوانات النص أو دلالته، وهناك أدوات تبحث عن النسق المضمر والمعلن في النص، ومن هذه الدراسات النقدية المهمة، دراسة الناقد (محمد طالب الأسدي) لشعر الشاعر (مظفر النواب)، إذ نجد الآليات النصية للمناهج النقدية في تحليل وقراءة نصوص الشاعر، فقد وظف العلامة اللونية بكونها أداة إجرائية نقدية سيميائية في تحليل أكثر من نص للشاعر: وطائرتي تسمع النبض غير خيوطي وفي اللازورد السماوي في طرب تستجيب() وفي نص آخر: وأميز رائحة الرضع والخرز الأخضر يورق في اللحم المحروق() إذ جعل الناقد من الألوان الموظفة في النصوص أيقونة لونية أخذت دورها في النص الشعري على المستويين اللغوي والفني، فتوظيف الناقد لأداة نصية تبحث عن طبيعة العلامة في النص والتي من خلالها يصل إلى مغزى النص جعل تلك الآلية متميزة في طريقة الإجراء النقدي داخل النص كاشفة عن كوامنه بكونها الوسيلة النقدية التي من خلالها يكشف عن طبيعة النص الشعري. وفي دراسة الناقد (سمير الخليل) "مقاربات نقدية لنصوص حداثوية" نجده يحلل نصوصاً للشاعر (نصير الشيخ) على وفق المناهج والآليات الأسلوبية، من تلك النصوص (حروف الملاك): هكذا تعلمك يداي... هكذا تعلمك رؤاي وهكذا.... تشير أصابعك هكذا مثل طير القطا() وفي (تكايا الوجد): ألق ستارة أحلامك تصطاد رؤاي ألق بدلوك تشرب من نَبع النور ألق بعصاك... تبعد في دروب الروح() فالأسلوب التكراري في هذا النصوص له أهمية كبيرة في تشكيل القصيدة الحديث، إذ يعد التكرار إطاراً حقيقياً في تأطير النص وإحاطته من جميع جوانبه والدخول في أعماقه ليبني قصدية النص، فالتكرار يحقق أغراضاً كثيرة ومهمة تحقق التماسك النصي بين عناصر النص المتباعدة()، "إذ هو نوع من التأكيد أو التكريس سواء أكان على مستوى البنية اللسانية أم التمثيل الدلالي الذي يتمخض عنها"()، وهذا ما عمل عليه الناقد في توظيف هذه الآلية في الكثير من النصوص الشعرية. وفي نصوص (هذا غبار... دمي)() للشاعر (حيدر عبد خضر) نجد الناقد يوظف آلية الثنائيات الضدية التي تنبثق من بيئة واحدة يستطيع بواسطتها أن يكشف عن المخبوء داخل النص الواحد من خلال الارتباط أو الاشتباك القائم بين طرفي الثنائيات بوصفها أحد الآليات البنيوية المهمة أو الآليات التي كشف عن بنية النص الداخلية، وعلى الرغم من أن قصائد المجموعة هي قصائد نثر، إلا أنها مليئة بالملامح الإيقاعية التي لم تأت بصورة عفوية وإنما كان الشاعر يوظفها بحرقة في عدد من تلك القصائد، ومما يلفت النظر أن الثنائيات في تلك القصائد تتسم بالمفارقة وهذا يظهر ابتداءً من العنوان، فكانت هناك ثنائيات تحمل معنى الاكتمال والتكامل، وأخرى تأتي بسياق بصري لجذب المتلقي واستفزازه للبحث عن طرفها الآخر، وثنائيات تعطي دلالات إنسانية عامة وتخرجها من الذاتية المفعمة()، كل تلك الثنائيات باحثة عن خبايا النص وكوامنه والتي أراد منها الناقد الكشف عن التعالق النصي الذي من خلاله يتم الكشف عن وجود علاقات وترابط بين دواخل النص وبين الواقع الذي انبثق من لغة البوح الشعري. ومثلما شخصنا فيما سبق التعدد المنهجي عند بعض النقاد الذي ينتج عنه توظيف أكثر من أداة تبعاً لطبيعة الدراسة، ففي دراسة "الفضاء التشكيلي لقصيدة النثر- الكتابة بالجسد وصراع العلامات، قراءة في الأنموذج العراقي" للناقد (محمد صابر عبيد) نجد أن الناقد قد اعتمد في الفصل الأول على فضاء التحول السيميائي في حركة الدوال() لقصيدة النثر بوصفها "رفض لكل أشكال التحديد والمنطقة والتموضع الدلالي والاستقرار التشكيلي"()، بمعنى أنها تعتمد على فعل التفجير في ذلك الفضاء وهذا ما جعلها ذات بعد دلالي مفتوح على دلالات واسعة تعتمد الاحتمال والمغايرة، والتنوع والدهشة. ومن الأمثلة التي يتناولها الناقد نص للشاعر (عبد الزهرة زكي): تصففين جسدك أمام المياه ...... الرغباتُ تحورها النيران التي تصغي إلى زئيرٍ يذكيه الجنون. ...... وحينها تشمّ الكلابُ اختلال الدم الساخن على الرمال() فيراه نصاً يعتمدُ على الفضاء التعبيري المطلق المعتمد على اللغة التي تشكلت النص وإنتاج علاقة توريط المتلقي() في بعثرة والانفتاح الدلالي للنص، وفي الدراسة نفسها نجده يوظف العلامة السيميائية التي ساعدته في تناول الفضاء التشكيلي لقصيدة النثر العراقية، من خلال توظيف مفاهيم العلامة المتنوعة بحسب قصيدة النثر العراقية، ففي تأسيسه لمفهوم (علامة المفارقة) نجده يتناولها من حيث الفضاء العام للنص من عتبة الإهداء وخصوصية الإيقاع وخصوصية التجربة، والتكرار الفعلي()، وطبقها على مجموعة الشاعر (محمد مردان) معتمداً إياها في خرق قوانين اللغة والمقاييس الشعرية الموروثة، وتتجلى تلك المفارقة في قول الشاعر: "إلى التي فجرت في أعماقي هذه النيران الأزلية... اهدي هذا النزيف"(). هذه العتبة النصية هي عتبة الإهداء يراها الناقد تجربة الشاعر التي شكلت العلامة الأساسية لتجربة الشاعر (محمد مردان) على أنها تجربة واحدة متكاملة في هذه المجموعة بل يرى الناقد أنها ترتبط "جميعاً بخيط نسيجي واحد يكون الفضاء العام لها"()، كما تتجلى تلك العلامة من خلال الاختراق اللغوي البعيد عن قوانين اللغة في قول الشاعر: لا أدري هل سيستمر فصل الخريف مدى العمر وهل ستكون فصول العمر الأربعة فصل انتظار؟() فعلاقة النص تبدأ من خلال الاستفهام والوضع الزمني لما يفعله الخريف مما يحقق "التعادل بين المفرد والجمع بين الالتئام والانتشار هو الذي يخلق النص شعريته ويبعده عن منطقة النثر"()، فعلاقة المفارقة هنا جاءت من خلال فعل التجاوز لفصل الخريف الذي تجاوز الحدود الزمنية وامتد إلى زمن واحد وهو زمن الانتظار. ويوظف النسق الثقافي في الفصل الخامس من الدراسة نفسها للكشف عن رؤية ما هو مضمر بوصفه مرجعية محركة للكتابة والتعبير أو هو "حادثة ثقافية"() ودراسة المسكوت عنه والمهمش والثانوي في قصيدة النثر العراقي التي غاب عنها دراسة أنساقها الثقافية، وتناول (عبيد) نماذج من تلك القصائد معتمداً القراءة الثقافية في تحليلها ومن تلك الأمثلة تناوله لقصيدة (حسن النواب) التي تبدأ بصورة من القسوة والعنف يقول فيها: مقعدٌ على كرسي كفاحه الذي مضى، يريد أن يتسلى بما تبقى من ميراث جسده التليد تسلّى برأسه المنير مراراً حتى غدا مصباحاً مكسوراً وتسلى بكفيه المدربتين على الحروب وجسد الأنثى لكن الشظايا أحاطت برعونة أصابعه أخيراً()، فالقراءة الثقافية تتخذ من النسق اللغوي الذي اعتمد على الدلالات الجسدية المتنوعة لهذا النص التي شكلت حالة التأزم لذلك الجسد واستطاعت القراءة أن تكشف رثاء الجسد الذي اعتمد على لغةٍ جسدية تبين لنا ما قدمه الجسد العراقي لما هو مجاني. ومن الدراسات النقدية المهمة دراسة الناقد (علي هاشم المالكي) "التجريب الأدبي دراسة في قصيدة الجيل الثمانيني في العراق" التي يعتمد فيها على آلية البياض والسواد وعلى ملء الفراغات من قبل المتلقي لخلق حالة من اللعب المنظم في سياق النص والبحث عن مواطن السياق والسواد في صفة النصوص الشعرية فمن خلال هذه الإعادة يتنفس المتلقي في استجابته الحرة للنص الشعري. وتناول الناقد شعر الشاعر (صلاح حسن) على وفق هذه الآلية في نصه الخروج من أور: لأن الممكن إغراء دعونا ندخل العاصفة ضعيف وحر كسمفونية يعذبني اللامتاهي متحف حياتي مفتوح وبه فكرة ومن دمائي الدافئة والمخطوطة أطعم أحلامي والطريق() فمن خلال توظيف هذه الآلية كشف لنا الناقد مقدرة الشاعر في لعبة البياض في النص والتي تمكن القارئ من تلقي النص عمودياً وأفقياً مما يمنحه المقدرة على ملء فراغات البياض. وفي السياق نفسه تناول الناقد (علي هاشم المالكي) شعر للشاعر (عدنان الصائغ) معتمداً الآلية نفسها إلا أنه قدم السواد على البياض في هذا النص من أجل "تحريك حاسة البصر لدى المتلقي لينساق خلف الكلمات الموزعة بطريقة تخرق مألوفية الشكل"() وهذا تابع لذهنية المتلقي، يقول الشاعر: عندما الأرض، كورها الرب، بين يديه ووزع فيها: اللغاتِ النباتَ الطغاةَ الغزاةَ الحروبَ الطيربَ الخطوطَ الحظوظَ اللقا.... . والفراق فقسم فيها: السوادَ العبادَ البلادَالمراجع
التنزيلات
منشور
2025-07-31
إصدار
القسم
Articles


