عمود الشعر في شعر الحارث بن حِلِّزة اليشكُريّ

المؤلفون

  • فرحة عزيز محسن

DOI:

https://doi.org/10.66026/ym91h162

الكلمات المفتاحية:

عمود الشعر، نسيج النص ، الركن البلاغي ،الوزن والقافية.

الملخص

       شكل مصطلح عمود الشعر مرتكزا اساًسياً في قراءة النص الشعري وفهمه وتذوقه ومحاكمته نقدياً بناءً على المقاييس الفنية التي وردت في هذا المصطلح ابتداءً من الجذور الاولى له في العصر الجاهلي التي تمثلت بالاراء النقدية الفطرية والذوقية حتى تكامله على يد المرزوقي.

       ولاهمية هذا المصطلح في تشكيل النص حاولنا تطبيقه على نص شاعر مميز يعد نت شعراء النخبة وهو الحارث بن حِلِّزة اليشكُريّ لنرى مدى توافق نصوصه الشعرية مع القيم الجمالية والفنية التي تضمنها هذا المصطلح.

       لم تكن الألفاظ مجرد وعاءٍ للمعاني؛ بل هي تأتي مشحونة بين الفينة والأخرى بالمعاني الجديدة التي تحصل نتيجة للتفاعل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني والمعرفي في العصور المختلفة، فتصبح هذه الألفاظ حاملةً للمعاني متأثرّة بالسياق التاريخي الذي تواكب مسيرته.

       ونتيجةً لهذه التفاعلات والإنبثاقات المختلفة تكتسب الالفاظ معانٍ عامة ومحددة يكشف عنها السياق النصي الذي تأتي به ، وتحمّلها المؤسسات كلُّ حسب توجهاته بمعانٍ قد تكوِّن محددة حسب الحقل المعرفي الذي تنتمي إليه . ومن هنا سوف نقرأ لفظة (عمود) في المجالين اللغوي والاصطلاحي .

أولاً : العمود لغةً :

 العمود مأخوذ من الجذر اللغوي( عَمَدَ)، وجمعه : أعمدة من الحديد أو الخشب ، وعمود الخباء من خشب قائم في الوسط ، ومنه عمود الأمر : قوامه الذي يستقيم به(1)، وهو الاستقامة في الشيء(2)، والعمود : الخشبة التي يقوم عليها البيت، وهو أيضاً الخشبة القائمة في وسط الخباء ، وعمود الصبح : ما تبلَّج من ضوئه وهو المستظهر منه ، وعمود القوم : سيّدهم (3).

ولم يخرج الزبيدي في تاج العروس عن المعاني التي ذكرها سابقوه(4).

ومما سبق نستنتج ان لفظة العمود قد سارت في مسارين دلاليين مختلفين: أحدهما: مادي والآخر: معنوي يقترب مما نحن بصدده ألا وهو عمود الشعر.

ثانياً : عمود الشعر اصطلاحاً

       لم تكُ قضية عمود الشعر جديدة ولا مستحدثة ؛ بل يمكن تلمس جذورها الأولى منذ العصر الجاهلي ، فالآراء النقدية التي أبداها الشعراء كالنابغة الذبياني في شعر زملائه وإن كانت تمتاز بأنَّها أحكام آنية ذوقية(5). أو آراء أم جندب في شعر امرئ القيس وعلقمة(6)، ومن ثم آراء الخلفاء في العصرين الاسلامي و الاموي وحتى بداية العصر العباسي وآراء علماء اللغة والنقاد اللغويين كلها تقع ضمن هذا الاطار.

        فآراؤهم هذه تقع ضمن المستويات الاساسية للغة وهي المستوى المعجمي، واللغوي و البلاغي ، والدلالي. التي بحصرها وعدِّها بدأت تتشكل الملامح العامة لمفهوم عمود الشعر الذي اتضح أكثر في آراء الجاحظ وكلامه حوله اللفظ والمعنى حيث قال : (( ولا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظهُ معناه ، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه الى قلبك ))(7).

       أما بُشر بن المعتمر فقد أراد أن يسلم المتكلم من فاحش الخطأ في الالفاظ وان يكون المعنى شريفاً وان يترك التوعّر الذي يؤدي إلى التعقيد الذي يستهلك المعاني ويشين الالفاظ وان يكون لكلِّ معنىً شريف لفظ شريفٌ مثله(8).

      وتحدّث الجاحظ عن بعض الاغراض البلاغية وقدرتها في خلق النص الشعري من حيث نقل اللفظ من معنى الى آخر لم يعرف به(9). وقد تحدَّث عن التشبيه وقوة الشبه وأدواته (10).

       اما ابن قتيبة ، فقد تحدّث عن أركان عمود الشعر بصورة متفرقة في كتابه مؤكدّا على صحة الوزن وحسن اللفظ  ولطافة المعنى(11).

       و يبدو أنّه قد حدّد مجموعة من المقاييس التي عدّها من المقاييس المهمة التي تبنى عليها العملية الشعرية وألزم الشعراء المحدثين بعدم الخروج منها ؛ بل والسير على نهجها(12).

     وحين جاء ابن المعتز تحدَّث في كتابه (البديع ) عن مجموعة من الآراء التي تخص العملية الشعرية لا سيّما فيما يخص الجانب البلاغي منها كحديثه عن الاستعارة والتشبيه وكيفية ورودهما و حسن استخدامهما(۱۳) وهما من مقومات عمود الشعر التي اتضحت عند النقاد العرب فيما بعد.

       اما ابن طباطبا، فإنّه يرى أنّه على الشعراء أن يحتذوا سبيل من سبقهم بتناول المعاني اللطيفة وان يتناولوا الفنون التي طرقوها في أشعارهم(14). وهو بهذا يعتمد المقاييس التي تتوافر في الشعر التي يجب اتباعها وهي لا شك مقاييس ثابتة يقوم عليها الشعر القديم في جميع جوانبه اللغوية والبلاغية والدلالية.

        أما قدامة بن جعفر ، فقد رأى أن تكون العملية الشعرية صحيحة البناء ابتداءاً من اللفظ الذي يجب ان يكون سمحاً سهل المخارج عليه رونق الفصاحة وخالياً من البشاعة(15). وان يخلو من عيوب الوزن والافراط في التزحيف(16). وأن تكون قوافيه عذبة سلسة المخرج وقد عد التصريع نوعاً من السجع فكلما كثر فيه التسجيع والتقفية كان أدخل في باب الشعر(17).

      وقد صرّح الآمدي بذكر عمود الشعر قائلاً (( ان البحتري كان اعرابي الشعر مطبوع على مذهب الأوائل وما فارق  عمود الشعر))(18) ،و يقول أيضاً : (( وليس الشعر عند أهل العلم به إلاّ حسن التأنيِّ وقرب المأخذ و اختيار الكلام ووضع الالفاظ في موضعها وان يورد المعاني باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله وان تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير ناثرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلاّ إذا كان بهذا الوصف ))(19) .

      وقد استفاد الجرجاني وانتفع من تجارب السابقين وآرائهم حیث قال:(( وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته وتسلِّم السبق فيه لمن وصف فأصاب وشبَّه فقارب وحده فأغزر ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته))(20).

       وقد استقر عمود الشعر أخيراً عند المرزوقي الذي حدّد عمود الشعر بسبعة اركان هي : شرف المعنى وصحته ، وجزالة اللفظ واستقامته، والاصابة في الوصف ، والمقاربة في التشبيه ، وإلتحام اجزاء النظم والتئامها على تخيُّر من لذيذ الوزن ، ومناسبة المستعار منه للمستعار له ، وشاكلة اللفظ للمعنى مع شدة اقتصائها للقافية حتى لا منافرة بينهما))(21).

المراجع

التنزيلات

منشور

2026-02-25